
احتضنت مدينة فاس، يوم 23 ماي 2026، فعاليات اللقاء الجهوي الأول بجهة فاس–مكناس حول موضوع: “الشباب والانتخابات التشريعية لسنة 2026: مداخل المشاركة وممكنات التأثير”، الذي نظمه المركز المغربي للشباب والتحولات المجتمعية والدينامية الشبابية للمشاركة المواطنة، بشراكة مع جمعية مواطن الشارع، وبدعم من مؤسسة فريدريش إيبرت. ويندرج هذا اللقاء في سياق وطني يتسم بتنامي النقاش العمومي حول الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وما تطرحه من رهانات مرتبطة بتجديد النخب، وتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة، وتوسيع مشاركة الشباب في الحياة السياسية.

افتتحت أشغال اللقاء بكلمة السيد يوسف الكلاخي، رئيس المركز المغربي للشباب والتحولات المجتمعية، أكد فيها أن تنظيم هذا اللقاء الجهوي الأول يأتي في إطار مسار مدني يروم تقوية حضور الشباب في النقاش العمومي، وتمكينهم من أدوات الفهم والتحليل والمبادرة، بما يجعلهم فاعلين أساسيين في صناعة القرار، لا مجرد موضوع للسياسات العمومية. كما أبرز أن هذا اللقاء يشكل محطة للتفكير الجماعي في مداخل المشاركة المواطنة، وفضاء لتشخيص أسباب العزوف السياسي، واقتراح آليات عملية لإعادة بناء الثقة في الفعل السياسي والمؤسسات المنتخبة.
وشدد في كلمته على أن المشاركة السياسية لا ينبغي أن تختزل في لحظة التصويت، بل تمتد إلى الانخراط في النقاش العمومي، والترافع حول القضايا المجتمعية، وتتبع السياسات العمومية وتقييمها. كما أكد أن الدينامية الشبابية للمشاركة المواطنة تراهن على التأطير والتكوين والتحسيس، وتشجيع الانخراط الواعي والمسؤول للشباب في مختلف أشكال المشاركة السياسية والمدنية، خاصة مع اقتراب انتخابات 2026 وما تفرضه من مسؤولية جماعية في تأهيل الشباب للمساهمة في بناء مغرب أكثر ديمقراطية وإنصافا.

من جهتها، أبرزت السيدة رحاب مزياتي، المديرة التنفيذية لجمعية مواطن الشارع، أن أحد أبرز التحديات المطروحة يتمثل في ضعف الثقة في المؤسسات المنتخبة وفي الفاعل السياسي، وهو ما ينعكس على نسب المشاركة، خاصة لدى فئة الشباب. وأشارت إلى أن العزوف لا ينبغي أن يقرأ باعتباره رفضا مطلقا للسياسة، بل باعتباره تعبيرا عن خيبة وانتظار لخطاب وممارسة سياسية أكثر قربا من انشغالات الشباب اليومية.
وتوقفت الدكتورة زبيدة نكان عند التحولات التي يعرفها مفهوم المشاركة السياسية، معتبرة أن الشباب لم يعودوا يتفاعلون مع السياسة فقط عبر الأشكال التقليدية، بل أصبحوا يعبرون عن مواقفهم من خلال وسائط رقمية وأشكال جديدة من المبادرة والتعبير. غير أنها نبهت إلى أن هذا الحضور الرقمي لا يوازيه حضور فعلي داخل المؤسسات المنتخبة ومراكز القرار، مما يطرح إشكالية الانتقال من المشاركة الرمزية أو الرقمية إلى مشاركة مؤثرة ومنظمة داخل البنيات السياسية والمؤسساتية.
كما سلط الخبير في قضايا المجتمع المدني والحكامة، عبد الكبير جميعي، الضوء على إشكالية الثقة وسؤال التمثيلية السياسية لدى الشباب، معتبرا أن ضعف المشاركة الانتخابية لا يمكن فهمه باعتباره مجرد عزوف ظرفي عن التصويت، بل هو تعبير عن أزمة أعمق في علاقة الشباب بالمؤسسات السياسية والمنتخبة. فقد أبرز أن محدودية التسجيل في اللوائح الانتخابية وتراجع الإقبال على المشاركة يعكسان ضعف الثقة في جدوى الانتخابات، والشعور بعدم القدرة على التأثير في القرار العمومي، إلى جانب الإحساس بأن المؤسسات التمثيلية لا تعبر بالشكل الكافي عن انتظارات الشباب وقضاياهم الأساسية.
وأكد جميعي أن أزمة الثقة تمتد إلى الأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة، نتيجة تراجع أدوار التأطير والوساطة، وضعف تجديد النخب، وهيمنة الحسابات الانتخابية الضيقة على حساب المشاريع المجتمعية القادرة على استيعاب تطلعات الشباب. كما ربط هذه الأزمة بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، خاصة البطالة والهشاشة وضعف العدالة الاجتماعية، مبرزا أن الشباب لم ينسحبوا من المجال العام، بل انتقلوا إلى أشكال جديدة من التعبير والمشاركة عبر الفضاء الرقمي والاحتجاج المدني، وهو ما يستدعي إعادة بناء الثقة من خلال ربط المشاركة السياسية بأثر ملموس في الحياة اليومية للمواطنين.
وتناول الأستاذ علي لقصب، الباحث في الدراسات القانونية والسياسية، أهمية المشاركة السياسية والتسجيل في اللوائح الانتخابية باعتبارهما مدخلاً أساسيا للإسهام في التنمية وتعزيز حضور الشباب داخل الفضاء العمومي والمؤسسات المنتخبة. وأكد في مداخلته أن المشاركة لا ينبغي أن تفهم فقط باعتبارها فعلا انتخابيا موسميا، بل كمسار مواطن يبدأ من الوعي بأهمية التسجيل في اللوائح الانتخابية، ويمتد إلى الانخراط في النقاش العمومي، والمساهمة في صياغة الاختيارات الجماعية، والدفاع عن القضايا المرتبطة بالشباب داخل مواقع القرار. كما شدد على أن صعود نخبة سياسية شبابية قادرة على الترافع عن انتظارات هذه الفئة يقتضي الانتقال من موقع المتفرج أو المنتقد إلى موقع الفاعل المبادر داخل المؤسسات والأحزاب والهيئات التمثيلية.
كما أبرز الأستاذ لقصب ضرورة تجاوز التمثلات السلبية والمغرضة حول العمل الحزبي والسياسي، معتبراً أن إصلاح الممارسة السياسية لا يتحقق بالعزوف أو الاكتفاء بالنقد داخل مواقع التواصل الاجتماعي، بل من خلال الانخراط الواعي والمسؤول في الأحزاب السياسية والمساهمة في تجديدها من الداخل. وفي هذا السياق، أكد أن الاختيار الديمقراطي يمثل توجهاً ثابتاً تراهن عليه الدولة المغربية، يقوم على التعددية الحزبية والتنافس السياسي والمؤسسات المنتخبة، وهو ما يجعل مشاركة الشباب ضرورة وطنية لا مجرد اختيار فردي. كما دعا إلى تخليق الحياة العامة وربط العمل السياسي بقيم النزاهة والمسؤولية والمصداقية، بما يسمح بإعادة الاعتبار للفعل السياسي وجعله أداة حقيقية لخدمة الصالح العام وإحداث أثر ملموس في قضايا الشباب والمجتمع.
وفي هذا السياق، اعتبر المشاركون أن بروز أشكال جديدة من التعبير السياسي، خاصة عبر الفضاء الرقمي، يمكن أن يشكل فرصة لتوسيع المشاركة إذا تم تأطيره بشكل إيجابي وتحويله إلى قوة اقتراحية ومبادرات مواطنة قادرة على التأثير في القرار العمومي. كما أكدوا أن المشاركة الرقمية لا ينبغي أن تبقى بديلاً عن المشاركة المؤسساتية، بل مدخلاً مكملاً لها.
وفي ختام اللقاء، خلص المشاركون إلى مجموعة من التوصيات العملية، من أبرزها: تعزيز التكوين السياسي والقانوني للشباب؛ وإدماج التربية المدنية والسياسية في مسارات التنشئة الاجتماعية؛ وتعميم تدريس مادة التربية على المواطنة بمختلف الأسلاك التعليمية، بما فيها التعليم الجامعي، لما لها من دور أساسي في ترسيخ قيم المشاركة والديمقراطية وحقوق الإنسان؛ وتجديد الخطاب السياسي للأحزاب السياسية وتطوير آليات تواصلها بما ينسجم مع اهتمامات الشباب وتطلعاتهم؛ وتقوية الديمقراطية الداخلية للأحزاب، وتوسيع حضور الشباب في هياكلها، وتمكينهم من مواقع المسؤولية والاقتراح؛ وتشجيع المشاركة الرقمية، وتوفير آليات دعم للمبادرات الشبابية؛ وتعزيز الشفافية في تدبير الشأن العام، وبناء جسور الثقة بين الشباب والمؤسسات.
كما أكد المشاركون ضرورة الانتقال من العمل المناسباتي المرتبط بالمحطات الانتخابية إلى فعل مدني وسياسي مستدام، يجعل المشاركة المواطنة ممارسة يومية ومسؤولية جماعية.
وعليه، خلص اللقاء الجهوي الأول بجهة فاس–مكناس إلى أن توسيع مشاركة الشباب في الحياة السياسية يشكل مدخلا أساسيا لتجديد الديمقراطية وتعزيز الثقة في المؤسسات. كما أكد أن انتخابات 2026 تمثل فرصة لإعادة طرح سؤال الشباب داخل الفعل السياسي، ليس بوصفهم مجرد كتلة انتخابية، بل باعتبارهم قوة اجتماعية واقتراحية قادرة على الإسهام في صناعة القرار وبناء مستقبل أكثر عدلا وإنصافا.






















