قد يبدو رقم 0,7% مطمئنا للوهلة الأولى. فهو يعكس توقع بنك المغرب لمعدل التضخم خلال سنة 2026، ويؤكد تراجع الضغوط التي أثقلت كاهل الأسر خلال السنوات الماضية. لكن هذا الرقم لا يعني أن الأسعار عادت إلى ما كانت عليه، ولا أن أثر موجة الغلاء السابقة اختفى من ميزانيات المغاربة.
المسألة ترتبط بفرق أساسي بين التضخم والأسعار. فعندما يتراجع التضخم، فهذا يعني أن الأسعار لم تعد ترتفع بالسرعة نفسها، وليس أنها بدأت في الانخفاض. فإذا كان منتج ما يباع مثلا بـ100 درهم، ثم ارتفع سعره إلى 110 دراهم، واستقر بعد ذلك عند هذا المستوى، فإن التضخم المرتبط به يصبح ضعيفا، لكن المستهلك سيظل مطالبا بدفع 110 دراهم.
وهنا تكمن المفارقة التي تفسر جزءا من شعور الأسر بأن الغلاء لم ينته رغم تراجع التضخم. فالأسعار يمكن أن تستقر بعد ارتفاعها، بينما تبقى آثار ذلك الارتفاع حاضرة في المصاريف اليومية.
كما أن معدل التضخم العام لا يعكس بالضرورة الوضع نفسه بالنسبة لجميع الأسر. فهذا المؤشر يعتمد على سلة واسعة من السلع والخدمات، في حين تختلف أنماط الاستهلاك من أسرة إلى أخرى، بحسب الدخل والحاجيات ونمط العيش.
ويظهر ذلك بشكل واضح في المواد الغذائية. فقد شهدت بعض المنتجات تراجعا في أسعارها بعد الارتفاعات القوية التي عرفتها خلال السنوات الماضية، ومن بينها زيت الزيتون. غير أن انخفاض سعر منتج بعد بلوغه مستويات مرتفعة لا يعني بالضرورة عودته إلى السعر الذي كان عليه قبل موجة الغلاء.
الأمر نفسه ينطبق على المحروقات. فتوقف أسعارها عن الارتفاع أو تباطؤ وتيرة ارتفاعها يخفف الضغط التضخمي، لكنه لا يلغي بالضرورة العبء الذي أصبحت تمثله على ميزانية الأسر. وبالنسبة للأشخاص الذين يعتمدون بشكل كبير على السيارات، يمكن أن تتحول هذه الزيادة في تكلفة التنقل إلى نفقة دائمة تؤثر على باقي الاختيارات الاستهلاكية.
لذلك، فإن تراجع التضخم لا يعني اختفاء فاتورة السنوات السابقة. فالأسعار التي ارتفعت خلال فترة التضخم لا تتراجع تلقائيا لمجرد أن معدل التضخم أصبح منخفضا.
وتشير توقعات بنك المغرب إلى أن الوضع قد يعرف بعض التغير خلال الفترة المقبلة. فبعد توقع تسجيل تضخم عام في حدود 0,7% خلال 2026، من المنتظر أن تسلك الأسعار الأساسية مسارا مختلفا، إذ تشير التوقعات إلى انتقال التضخم الأساسي من -0,2% خلال 2026 إلى 2,2% في 2027.
وهذا يعني أن الاستقرار الحالي في الأسعار لا ينبغي أن يفهم على أنه مرحلة دائمة من الجمود السعري. فبعض العوامل التي ساهمت في انخفاض التضخم خلال الفترة الحالية قد تتغير مع مرور الوقت.
لكن السؤال الذي يهم الأسر اليوم لم يعد مرتبطا فقط بارتفاع الأسعار، بل أيضا بما إذا كانت المداخيل قادرة على اللحاق بها.
فانخفاض التضخم يساعد على حماية القدرة الشرائية مستقبلا، لأنه يحد من تآكل الدخل بفعل ارتفاع الأسعار. لكنه لا يعيد تلقائيا ما فقدته الأسر عندما ارتفعت الأسعار بوتيرة أسرع من الأجور والمداخيل.
وهنا تدخل عوامل أخرى إلى المعادلة، في مقدمتها الأجور والتشغيل والإنتاجية. فاستعادة القدرة الشرائية تتطلب أن تنمو مداخيل الأسر بوتيرة تسمح لها بتغطية نفقاتها بشكل أفضل، كما تتطلب اقتصادا أكثر قدرة على خلق القيمة وتوفير فرص الدخل.
وفي هذا السياق، يأتي قرار بنك المغرب الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند 2,25% في مرحلة أصبحت فيها الضغوط التضخمية أكثر اعتدالا، ما يتيح للسياسة النقدية مساحة أكبر لمواكبة النشاط الاقتصادي، مع استمرار مراقبة تطور التضخم الأساسي.
وبالنسبة للأسر المغربية، فإن المرحلة المقبلة تحمل تحديا مختلفا عن مرحلة مواجهة الارتفاع الحاد للأسعار. فاستقرار الأسعار يمثل خطوة أساسية، لكنه لا يكفي وحده لتحسين مستوى المعيشة.
المعيار الحقيقي بالنسبة للمواطن يبقى في قدرته على تغطية حاجياته، والاحتفاظ بجزء من دخله، وتحسين مستوى عيشه. ولذلك فإن انخفاض التضخم إلى مستويات محدودة يمثل بداية لاستقرار اقتصادي أكبر، وليس بالضرورة نهاية لمشكلة القدرة الشرائية.
