نقلت الأحزاب السياسية المغربية جزءا متزايدا من نشاطها التواصلي إلى شبكات التواصل الاجتماعي، في تحول جعل فيسبوك وتيك توك ويوتيوب وإكس فضاءات موازية للعمل السياسي التقليدي، وفق ما أظهرته دراسة حديثة للمجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري.
وتتبعت الدراسة نشاط 12 حزبا ممثلا في البرلمان المغربي خلال خمسة أشهر، من يناير إلى ماي 2026، واختارت هذه الفترة بعيدا عن الاستحقاقات الانتخابية، بهدف قياس حجم النشاط الرقمي للأحزاب في الظروف العادية، وليس فقط أثناء الحملات التي تعرف عادة ارتفاعا استثنائيا في وتيرة النشر.
وكشف الرصد عن إنتاج آلاف المضامين خلال الفترة المدروسة، إذ بلغ عدد منشورات فيسبوك 2651 منشورا، فيما سجلت الدراسة 925 مقطع فيديو على تيك توك عبر حسابات ستة أحزاب، مقابل 507 فيديوهات على يوتيوب نشرتها خمسة أحزاب، و1012 منشورا على إكس تعود إلى أربعة أحزاب.
وتبرز هذه الأرقام انتقال المنافسة الحزبية تدريجيا إلى المجال الرقمي، إذ لم تعد قدرة التنظيم السياسي على الوصول إلى الجمهور مرتبطة فقط بحجمه التنظيمي أو حضوره الميداني، بل أصبحت مرتبطة أيضا بسرعة إنتاج المحتوى وطريقة تقديمه وقدرته على الانتشار وإثارة التفاعل.
ويتصدر فيسبوك الأدوات الرقمية المستخدمة في التواصل الحزبي، مستفيدا من قاعدة جماهيرية واسعة، بينما يقدم تيك توك فرصة أكبر للوصول إلى الشباب وإنتاج مقاطع سريعة وقابلة للتداول، في حين يسمح يوتيوب بتقديم خطابات ومقابلات ومواد تفسيرية أطول.
أما إكس، فيبرز باعتباره فضاء للنشر السريع للمواقف والردود والتفاعل مع الأحداث، بينما تحافظ المواقع الرسمية للأحزاب على وظيفتها كمرجع للبيانات والمواقف والوثائق، رغم محدودية الإقبال عليها مقارنة بمنصات التواصل الاجتماعي.
وترصد الدراسة تفاوتا في الاستفادة من هذه الأدوات، إذ لا يضمن امتلاك عدد كبير من المتابعين تحقيق مستوى مرتفع من التفاعل، كما لا تعني كثرة المنشورات بالضرورة نجاح الحزب في الوصول إلى الجمهور، ما يبرز أهمية طبيعة المحتوى وأسلوب تقديمه.
ويكشف هذا التحول عن تغير في أدوات الاتصال السياسي بالمغرب، بعدما أصبح جزء مهم من النقاش الحزبي يمر عبر منصات تتحكم الخوارزميات بدرجة كبيرة في توزيع محتوياتها والوصول إليها، وهو ما يطرح إشكالات تتجاوز المنافسة بين الأحزاب إلى جودة النقاش العام نفسه.
وتنبه الدراسة في هذا السياق إلى مخاطر التضليل والاستقطاب والتلاعب بالمحتوى، معتبرة أن توسيع استعمال المنصات الرقمية يستدعي بالتوازي تقوية الوعي الرقمي لدى الفاعلين السياسيين والمواطنين، حتى لا يتحول اتساع الوصول إلى المعلومات إلى مدخل لنشر أخبار مضللة أو توجيه النقاش السياسي بواسطة الخوارزميات.




