في بعض الأحيان يكثر اللغط والقيل والقال حول أحداث ووقائع وسلوكات غير مألوفة في أعرافنا وآدابنا الاجتماعية، خاصة في ظل الصمت المطبق لأولي العلم والمعرفة، ولجهابدة الفتاوى الدنيوية والأخروية، الذين قد لا يرون-حسب تقديرهم-موجبا لفتح باب النقاش حول أحداث عابرة من طرف أشخاص عابرين هم بدورهم. سبب هذا الكلام ما تم تداوله من طرف البعض حول آداب الجلوس في حضرة أولي الأمر، في ظل القوانين والبروتوكولات والأعراف التي تؤطر هذا الجلوس أو ذاك.
أغراني الموضوع، واستفزني المشهد كما استفز كثيرا من الخلائق، فحاولت البحث عما قيل في آداب الجلوس في المجالس عامة، ومجالس أولي الأمر على وجه الخصوص، في الشرع وفي علم النفس ولغة الجسد وفي علم الاجتماع.
لقد أخضع الشرع آداب الجلوس في المجالس إلى مجموعة من الضوابط الأخلاقية التي تضمن الاحترام لجميع مكونات المجلس، وقد تم تصنيفها إلى: آداب دخول المجالس والاستئذان (إلقاء السلام والجلوس حيث ينتهي المجلس، وأحقية السابق بالمكان)، وآداب التعامل والأماكن (عدم التفريق بين اثنين، والنهي عن التناجي، وأحقية العودة، ثم عدم الجلوس وسط المجلس)، وآداب الحديث والسلوك (الانصات وعدم مقاطعة المتحدث، وحفظ أسرار المجلس، وتجنب اللغو والكلام المحرم)، وكفارة المجلس (دعاء الانصراف).
أما فيما يتعلق بآداب الجلوس في حضرة أولي الأمر، من ملوك وحكام ورؤساء وكبار رجال الدولة ومن يقوم مقامهم، فتخضع بدورها لضوابط صارمة يجب الالتزام بها، من قبيل الالتزام بالموعد المحدد، وإلقاء التحية المعتمدة في تلك المجالس، وانتظار الإذن بالجلوس، وتفادي كثرة الحركة والالتفات والانشغال بأمور خاصة، والانصات بتركيز لكلام ولي الأمر، ولا تأخذ الكلمة إلا بإذنه، على أن يحمل الكلام نبرة الوقار والاحترام، مع الابتعاد عن كل تكلف أو جدال، وأن يتم الانصراف بوقار بعد الحصول على إذن ولي الأمر أو من يقوم مقامه.
وبخصوص الحكم الشرعي في من يضع رجلا على رجل في المجالس، فالأصل في هذه الحركة عموما الجواز، لعدم وجود ما يحرمها شرعا، وقد تم الاعتماد في هذا القول على ما ورد في السنة النبوية من كون الرسول ﷺ استلقى في المسجد ووضع إحدى رجليه على الأخرى.
إلا أن هذه الوضعية في الجلوس تكون مكروهة أو محرمة شرعا إذا فعلها صاحبها تكبرا، واحتقارا للمجلس وجلاسه، ولعامة خلق الله.
أما من الناحية العرفية-خاصة في المجتمعات العربية-فتدخل هذه الوضعية في الجلوس، إذا حدثت في مجالس أولي الأمر، في باب التعالي وقلة الاحترام الواجب لهم. فالبروتوكولات الرسمية في جل الدول تمنع هذه الوضعية في الجلوس، لكونها خارجة عن قواعد اللياقة، لما تحمله من رسائل مبطنة قد تفسر بعدم التقدير للمجلس، ولكل من يهمهم الأمر.
كما تناول علماء النفس ولغة الجسد، وعلماء الاجتماع هذه الوضعية في الجلوس، حيث ربطوها بسياقات المجالس وطبيعتها وشخوصها.
إلا أن دلالاتها لا تخرج عن الثقة والراحة النفسية، أو الاستعداد للحوار، أو التفكير والتأمل، أو التحفظ، أو الملل، أو عدم الاكتراث بما يدور في المجلس.
ويرى علماء الاجتماع أن وضعية الجلوس هذه، تعتبر وسيلة تواصل غير لفظي، وهي رسالة يتداخل فيها الاجتماعي بالنفسي، موجهة خصيصا لبعض الأشخاص.
مختصر الكلام، لقد قيل الكثير في جلسة رجل على رجل في المجالس، خاصة في مجالس أولي الأمر، ويبقى رأي الشيخ ابن باز في الموضوع رأيا معتبرا، حيث أكد على ” أن الجلسة في أصلها لا بأس بها، ما لم تؤدِ إلى كشف العورة، إلا أن المجالس التي يُطلب فيها الوقار والهيبة تقتضي من الشخص الاعتدال في جلسته تجنباً لظهور الاستخفاف بالآخرين”.
والأكيد أن عورة الرجل-حسب ابن باز-لم تكشف من خلال اللقطات التي أدرجتها القنوات التلفزية. والأكيد أيضا أن تلك الجلسة لم يسبقه إليها أحد من هذه الأمة العريقة، بعذر أو بدونه.
مهما كان الأمر-إما جهلا أو عن غيره-فلابد من التماس الأعذار لخلق الله، أخذا عما قاله محمد بن سيرين: “إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له عذراً، فإن لم تجد له عذرا، فقل: لعل له عذراً”.
الدكتور محمد الحيمر




