أعادت تسجيلات صوتية منسوبة إلى عسكريين إسبان منتشرين في سبتة المحتلة ملف الاعتداءات على مهاجرين مغاربة إلى الواجهة، بعدما كشفت محادثات عن حديث عدد من الجنود، بنبرة اتسمت بالضحك والتباهي، عن وقائع ضرب وإهانة أشخاص مهاجرين خلال مهام المراقبة التي ينفذونها بالمدينة.
ونشرت صحيفة «elDiario.es» الإسبانية مقتطفات من هذه التسجيلات، التي قالت إنها حصلت عليها من أشخاص كانوا بالقرب من مكان المحادثة، مشيرة إلى أنها تتضمن اعترافات من ثلاثة عسكريين على الأقل بمشاركتهم المباشرة أو غير المباشرة في اعتداءات على مهاجرين، لا يظهر من حديثهم أنهم كانوا يشكلون تهديدا لدورياتهم.
وتعود المحادثة إلى ليلة 21 و22 شتنبر، عندما كان جنود إسبان يؤدون مهمة مراقبة ليلية قرب الطريق المحاذية لمركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين بسبتة، بالقرب من إحدى المناطق الغابوية. ووفق الصحيفة، ظل الجنود في المكان لمدة لا تقل عن 50 دقيقة، قبل أن يتبادلوا الحديث عن تدخلاتهم خلال أزمة الهجرة التي شهدتها المدينة.
ومن بين العبارات التي وردت في التسجيلات حديث أحد الجنود عن أن الضرب من دون قفازات «أفضل لأنه يصدر صوتا»، فيما رد آخر بأن الضرب بالقفازات يكون مؤلما. وتضمنت المحادثة ضحكات متكررة أثناء وصف وقائع اعتداء مزعومة، وهو ما أثار انتقادات بشأن طبيعة التعامل مع المهاجرين خلال المهام العسكرية.
كما تحدث أحد الجنود عن واقعة قال إنه اقترب خلالها من شخص مهاجر محاولا صفعه، قبل أن يروي كيف تمكن من توجيه الضربة إليه، وفق ما نقلته الصحيفة عن التسجيلات. وتدخل عسكريون آخرون في المحادثة للحديث بسخرية عن رد فعل الشخص الذي تعرض للضرب، بما في ذلك بكاؤه عقب الاعتداء المزعوم.
وتطرقت التسجيلات أيضا إلى طريقة استدراج مهاجرين مغاربة إلى جانب مركبة عسكرية، من خلال سؤالهم عما إذا كانوا يتوفرون على وثائق هوية أو يحتاجون إلى بطاقة، قبل أن يروي أحد الجنود، بحسب الصحيفة، أن الهدف من ذلك كان مختلفا عما أوحى به السؤال، وأن أحد المهاجرين تعرض لضربة مفاجئة.
وتتقاطع هذه التفاصيل مع شهادات سبق أن نشرتها الصحيفة لمهاجرين مغاربة قالوا إن عسكريين نقلوهم داخل مركبات أو إلى مناطق غابوية قبل الاعتداء عليهم. ومن بين الحالات التي أوردها الموقع، شخص يدعى محمد، تقدم بشكاية لدى الشرطة، قال فيها إنه نقل إلى منطقة بنزو بسبتة وتعرض للضرب بعدما قيدت يداه ورجلاه ووضع شيء على فمه لمنعه من الكلام.
وفي مقطع آخر من التسجيلات، تحدث أحد العسكريين عن واقعة نسبها إلى عناصر من وحدات «الريغولاريس»، قال إنهم أجبروا مهاجرا، وفق روايته، على ضرب أشخاص آخرين تحت التهديد. وبحسب المحادثة، كان الشخص الذي يوجه الضربات يتعرض بدوره للعنف إذا لم تكن الضربات قوية بما يكفي أو لم يصرخ الشخص المستهدف.
وأبدى العسكري الذي روى الواقعة إعجابه بما وصفه بـ«الاختبار»، مشبها إياه بالمشاهد الواردة في سلسلة أفلام الرعب «Saw»، التي تقوم بعض أحداثها على تعريض الأشخاص للعنف وإجبارهم على مواجهة خيارات مؤلمة. غير أن هذه الروايات الواردة في التسجيلات تظل بحاجة إلى التحقق ضمن التحقيقات الجارية بشأن الوقائع المنسوبة إلى العسكريين.
كما أظهرت المحادثة، بحسب الصحيفة، أن بعض الجنود يتجنبون الاستماع إلى المهاجرين أو التحدث معهم، بدعوى أنهم قد يتأثرون بقصصهم الإنسانية. ونقل الموقع عن أحد المتحدثين قوله إنه كان يستمع إليهم في الأيام الأولى، لكنه أصبح يفضل عدم الإصغاء إليهم، مبررا ذلك بأن بعض رواياتهم، حسب اعتقاده، غير صحيحة.
وفي جزء آخر من التسجيلات، وردت تصريحات لأحد العسكريين قال فيها إن الجنود «معدون للقتل»، وليس لأعمال أخرى، فيما انتقد متحدث آخر طبيعة المهام التي ينفذونها في سبتة. كما وردت عبارة تشير إلى استبدال الرصاص بالعصي خلال المناورات المقبلة، في سياق حديث لم تتمكن الصحيفة من فهم جميع أجزائه بسبب ضعف جودة الصوت.
ولم تتمكن «elDiario.es» من تحديد الوحدة العسكرية التي ينتمي إليها أصحاب الأصوات الواردة في التسجيلات. وأوضحت أن بعض التفاصيل الظاهرة في الزي العسكري تسمح باستبعاد انتمائهم إلى وحدات محددة، لكنها لم تكن كافية للتعرف على شاراتهم أو تحديد تشكيلتهم بشكل قاطع.
وقالت الصحيفة إن التسجيلات التقطها أشخاص كانوا في المكان على مسافة من الجنود، بعدما أثار انتباههم مضمون الحديث الذي دار بصوت مرتفع في فضاء متاح للعموم. وأضافت أنها حجبت هوية المتحدثين عبر تعديل أصواتهم، كما امتنعت عن نشر مقاطع أخرى حفاظا على خصوصيتهم، مع تركيزها على الوقائع التي اعتبرتها ذات أهمية إخبارية.
وتأتي هذه التسجيلات في سياق سلسلة من التحقيقات الصحفية بشأن شكايات مهاجرين مغاربة قالوا إنهم تعرضوا للضرب والإهانة من طرف عسكريين مكلفين بالمراقبة في سبتة، خلال الفترة التي أعقبت موجة الدخول الجماعي للمهاجرين إلى المدينة في أواخر يوليوز.
وكانت الصحيفة قد نشرت شهادات لعشرات المهاجرين، مرفقة بصور وتقارير طبية، قبل أن تنشر مقاطع فيديو قالت إنها تحققت منها، وتوثق بعض مظاهر العنف المبلغ عنها. كما نشرت معطيات بشأن شكايات تقدم بها مهاجرون لدى الشرطة، من بينها شكاية شخص قال إنه تعرض للضرب بعدما نقل إلى منطقة غابوية.
وفي تقرير منفصل، أفادت منظمة العفو الدولية بأنها استمعت إلى شهادات مهاجرين تحدثوا عن التعرض للضرب والمعاملة المهينة، واعتبرت أن بعض الوقائع المبلغ عنها قد ترقى إلى التعذيب أو المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة. وأحيل التقرير، بحسب المعطيات المنشورة، على القضاء الإسباني.
وذكرت الصحيفة أن وزارة الدفاع الإسبانية لم تقدم ردا على استفساراتها المتكررة بشأن التحقيقات، فيما سبق لمصادر حكومية أن أعربت عن القلق إزاء الادعاءات، وأشارت إلى فتح تحقيق داخلي، من دون تقديم تفاصيل معلنة عن نتائجه.
وفي المقابل، أثارت شكايات أخرى بشأن ظروف عمل الجنود المنتشرين في سبتة نقاشا داخل الأوساط العسكرية. فقد قبل مكتب أمين المظالم الإسباني النظر في شكاية تقدمت بها جمعيات مهنية عسكرية، تحدثت عن نقص في وسائل الحماية والضمانات القانونية ووضوح التعليمات الموجهة إلى الجنود أثناء تنفيذ المهام في الشوارع والمناطق الحدودية.
وكانت الجمعيات قد سجلت شكايتها في 22 شتنبر، مطالبة بتوفير تعليمات واضحة وقواعد عمل تضمن الحماية القانونية للعسكريين أثناء أداء مهامهم. ولا تلغي هذه المطالب، في المقابل، ضرورة التحقيق في الادعاءات المتعلقة بالاعتداءات على المهاجرين وتحديد المسؤوليات المحتملة بشأنها.




