دافع مولاي حفيظ العلمي، الرئيس المؤسس لمجموعة «سهام» والرئيس السابق للاتحاد العام لمقاولات المغرب، عن رؤية للمقاولة تقوم على خلق الثروة والالتزام الأخلاقي والجرأة في اتخاذ القرار، مؤكدا أن الطموح الحقيقي لا يعني التسرع أو المجازفة غير المحسوبة.
وخلال مشاركته في منتدى «المقاولون في حركة: تحويل الأولويات إلى أفعال»، المنظم بمبادرة من الاتحاد العام لمقاولات المغرب، قدم العلمي مداخلة بعنوان «جرأة التفكير الكبير»، استعرض فيها عشر قواعد قال إنه استخلصها من مساره المهني، بما شهده من نجاحات وإخفاقات وتجارب ساهمت في تشكيل نظرته إلى عالم الأعمال.
واختار رجل الأعمال المغربي تقديم ما يشبه «دليلا مضادا للمقاول»، بعيدا عن الوصفات النظرية الجاهزة، مستندا إلى تجاربه الشخصية والقرارات التي أثرت في تطور مشاريعه، معتبرا أن النجاح لا يرتبط فقط بامتلاك فكرة جيدة، بل أيضا بحسن التنفيذ والقدرة على التعلم من الأخطاء والاستعداد لتغيير الاتجاه عند الضرورة.
الجرأة ليست تهورا.. والتنفيذ يختلف عن الحركة
قبل استعراض قواعده العشر، شدد العلمي على ضرورة التمييز بين العمل الفعلي والانشغال غير المنتج. فالعمل، بحسب تصوره، هو تنفيذ استراتيجية مدروسة ومعدة مسبقا، بينما تعني الحركة العشوائية الشروع في تطبيق الأفكار دون دراسة كافية لشروط نجاحها.
وفي السياق نفسه، اعتبر أن اتخاذ القرار لا يتطلب بالضرورة امتلاك جميع المعلومات، مستحضرا مثالا منسوبا إلى جيف بيزوس، يقوم على إمكانية الحسم عندما تتوفر نسبة كافية من المعطيات الأساسية، بدل انتظار اكتمال المعلومات بشكل قد يؤدي إلى ضياع الفرص. لكنه أكد أن سرعة القرار لا تعني التخلي عن التفكير والتحضير.
كما توقف عند الاعتقاد بأن اتباع الشغف وحده كاف لتحقيق النجاح، موضحا أن حب مجال معين لا يضمن امتلاك المهارات أو الإمكانات الضرورية للتميز فيه. لذلك، فإن الشغف ينبغي أن يقترن بالكفاءة ودراسة السوق والقدرة على التنفيذ.
الالتزام بالقانون أساس حماية المقاولة
تتمثل القاعدة الأولى في الحرص على النزاهة والامتثال للقوانين، خصوصا في التعامل مع إدارة الضرائب والجمارك ومكتب الصرف والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والهيئات الرقابية.
وبالنسبة إلى العلمي، لا يقتصر احترام القواعد القانونية على تجنب العقوبات، بل يشكل شرطا أساسيا لبناء شركة قادرة على النمو وجذب المستثمرين والتوسع إلى أسواق جديدة. وأشار إلى أن المقاولات التي تطمح إلى تحقيق نجاح كبير قد تصبح أكثر عرضة للتدقيق والانتقادات، ما يجعل سلامة وضعيتها القانونية والمالية أمرا لا غنى عنه.
واستحضر في هذا الإطار تجربة التحضير لإدراج شركة «ماجوريل» في بورصة أمستردام سنة 2021، وهي عملية شاركت فيها مؤسسات مالية دولية كبرى. وأوضح أن عمليات التدقيق شملت جوانب متعددة، من بينها الامتثال القانوني والمخاطر المرتبطة بالسمعة.
كما تطرق إلى تجربة من مساره الإداري، حين لاحظ تردد بعض المسؤولين في توقيع القرارات خوفا من المساءلة لاحقا، مبرزا أن الجرأة الحقيقية تقتضي تحمل المسؤولية بناء على ملفات موثقة ومعطيات يمكن الدفاع عنها، وليس اتخاذ قرارات دون سند واضح.
القرب من الزبائن مفتاح فهم السوق
تدعو القاعدة الثانية إلى الحفاظ على علاقة مباشرة بالزبائن، حتى عندما تكبر المقاولة وتتوسع هياكلها الإدارية والتجارية.
ويرى العلمي أن ابتعاد صاحب المشروع عن السوق قد يجعله يفقد القدرة على فهم التحولات التي تعرفها حاجيات العملاء، ويؤخر اكتشاف الفرص أو التعامل مع الصعوبات. لذلك، فإن التواصل المباشر مع الزبائن ليس مجرد مهمة تجارية، بل أداة أساسية لتوجيه الاستراتيجية وتقييم أداء المقاولة.
وقد يساعد هذا القرب المقاول على اتخاذ قرارات حاسمة، سواء تعلق الأمر بتسريع نمو نشاط معين أو مراجعة نموذج العمل أو الانسحاب من قطاع لم يعد يوفر آفاقا واعدة.
فكر كبيرا وابدأ صغيرا
من أبرز الرسائل التي وجهها العلمي إلى المقاولين ضرورة الجمع بين الطموح الكبير والانطلاق التدريجي. فبدل استثمار موارد ضخمة منذ البداية، ينصح باختبار الفكرة على نطاق محدود، وتصحيح الاختلالات قبل الانتقال إلى مرحلة التوسع.
واستشهد بتجارب سابقة في مجال الخدمات المعلوماتية والصحة، أقر خلالها بأنه لم يمنح دراسة خصوصيات السوق والقطاع الوقت الكافي، ما أدى إلى نتائج دون التوقعات. وأوضح أن نموذجا ناجحا في بلد آخر لا يضمن بالضرورة نجاحه في المغرب، لأن اختلاف البيئة الاقتصادية والتنظيمية وسلوك المستهلكين قد يغير شروط المنافسة.
كما استعاد تجربة إطلاق نشاط للمساعدة والخدمات، بدأ بموارد مالية محدودة، قبل أن يواجه صعوبات في اختيار الفريق الأول. واضطرت الشركة، بحسب روايته، إلى إعادة تنظيم مواردها البشرية وتقليص الفريق من نحو 70 شخصا إلى ثمانية، قبل استئناف التطور على أسس جديدة.
واعتبر أن هذه التجربة تجسد أهمية الاعتراف بالأخطاء وتصحيح المسار، مشيرا إلى أن النشاط تطور لاحقا إلى مستوى دولي، في مسار ارتبط بإدراج «ماجوريل» في البورصة ثم التقارب مع مجموعة «تيليبيرفورمانس». والدرس، وفق العلمي، هو أن محدودية الإمكانات في البداية لا تمنع الوصول إلى الأسواق العالمية، إذا اقترنت الرؤية بالمرونة وحسن التنفيذ.
التوسع الدولي أفضل أحيانا من تنويع الأنشطة
في القاعدة الرابعة، دعا العلمي المقاولات المغربية إلى خوض المنافسة الدولية بثقة، وعدم الاكتفاء بالسوق المحلية عندما تصبح فرص النمو محدودة.
ويرى أن الاحتكاك بالأسواق الخارجية يفرض على الشركات تحسين جودة خدماتها ورفع كفاءتها التشغيلية والاستجابة لمعايير أكثر صرامة. كما يتيح للمقاولين اكتساب خبرات وأساليب عمل يمكن الاستفادة منها في تطوير أنشطتهم داخل المغرب.
وأشار إلى أن بعض قرارات التنويع التي اتخذها في مساره كانت مرتبطة بوصول أنشطة معينة إلى حدود نموها في السوق الوطنية. لكنه أوضح، انطلاقا من تجربته، أن التوسع خارج المغرب في مجال تتقنه الشركة قد يكون خيارا أفضل من دخول قطاع جديد لا تتوفر فيه الخبرة الكافية.
التنويع ليس تشتيتا للجهود
حذر العلمي من الخلط بين تنويع الأنشطة وتوزيع الجهود على مجالات متعددة دون استعداد كاف. فالتنويع الناجح، في نظره، ينبغي أن ينطلق من خبرات وقدرات قائمة، مع إعطاء الأولوية لتطوير النشاط الأساسي وتعزيز التحكم فيه قبل الانتقال إلى مجالات أخرى.
وانتقد تغيير البلد وطبيعة النشاط والشريك في الوقت نفسه، معتبرا أن جمع هذه التحولات يضاعف المخاطر ويجعل أسباب النجاح أو الفشل أكثر صعوبة في التحديد.
ولذلك، أوصى بالتدرج في التغيير، من خلال دخول سوق جديدة مع الحفاظ على نشاط معروف، أو تجربة مجال جديد داخل سوق سبق للشركة أن فهمته. ويتيح هذا النهج تقليص عوامل عدم اليقين، مع الاحتفاظ بالقدرة على التعلم والتكيف.
«أريد مقاولين أغنياء.. لكن نزهاء»
في القاعدة السادسة، دافع العلمي عن حق المقاولين في تحقيق الثروة، شريطة أن تكون نتيجة خلق قيمة اقتصادية حقيقية واحترام الالتزامات القانونية والاجتماعية والضريبية.
وأكد أن نجاح المقاولة لا يتعارض مع المصلحة العامة، بل يمكن أن يسهم في تمويل الخدمات والسياسات العمومية من خلال الضرائب، فضلا عن توفير فرص الشغل وتحسين أوضاع العاملين.
غير أنه شدد على أن تراكم الثروة لا ينبغي أن يكون الهدف الوحيد للمقاول، داعيا إلى التفكير في الغاية من المشروع والأثر الذي يتركه، وكيفية إشراك العاملين والأسرة في رؤية طويلة الأمد.
وبذلك، ربط العلمي بين النجاح الاقتصادي والمسؤولية، معتبرا أن المقاولة القوية هي التي تستطيع تحقيق الأرباح والحفاظ على نزاهتها والمساهمة في التنمية.
بيع المقاولة ليس خيانة لتاريخها
دعا العلمي المقاولين إلى التخلي عن فكرة الاحتفاظ بالنشاط إلى الأبد لمجرد أنه تأسس على يد الآباء أو الأجداد، مؤكدا أن بيع المقاولة قد يكون قرارا استراتيجيا عندما تتغير ظروف السوق أو يفقد نموذج العمل قدرته على الاستمرار.
واستشهد بتجربة شركة «كوداك» للتنبيه إلى أن التحولات التكنولوجية قد تجعل أنشطة كانت ناجحة في الماضي أقل قدرة على المنافسة. ومن هذا المنطلق، اعتبر أن المقاول ينبغي أن يمتلك الشجاعة لدخول الأسواق، ولكن أيضا لاتخاذ قرار الخروج منها في الوقت المناسب.
كما حذر من التأثير المتزايد للذكاء الاصطناعي والروبوتات على عدد من الوظائف والأنشطة الصناعية والخدماتية، مشيرا إلى أن هذه التحولات قد تدفع بعض الشركات إلى إعادة توطين الإنتاج أو الاعتماد على الأتمتة، وهو ما قد يغير المزايا التنافسية المرتبطة بانخفاض تكلفة اليد العاملة.
وأبدى قلقه بشأن مستقبل بعض الأنشطة الصناعية وخدمات التعهيد بالمغرب، داعيا إلى استباق هذه التحولات ووضع استراتيجيات جديدة بدل التمسك بنماذج اقتصادية قد تفقد فعاليتها مع مرور الوقت.
اختيار الشركاء يتطلب توافقا في القيم
تتمثل القاعدة الثامنة في اختيار شركاء يتقاسمون المبادئ الأساسية نفسها، سواء تعلق الأمر بالأخلاقيات أو طريقة التعامل مع المخاطر أو الأفق الزمني للاستثمار.
وأوضح العلمي أن التفاهم الشخصي أو جاذبية الفرصة المالية لا يكفيان لضمان نجاح الشراكة، لأن الخلافات قد تظهر عندما يفضل أحد الأطراف تحقيق أرباح سريعة، بينما يسعى الطرف الآخر إلى بناء شركة على المدى الطويل.
وقد تتعلق الاختلافات أيضا بطرق ممارسة الأعمال ومدى الالتزام بالقواعد القانونية، وهو ما يجعل التوافق في الرؤية والقيم شرطا مهما قبل الدخول في أي شراكة.
وبحسب العلمي، فإن اتفاقيات المساهمين لا تستطيع وحدها معالجة جميع الخلافات الناتجة عن اختلاف التوجهات الجوهرية، لذلك ينبغي إعطاء مرحلة اختيار الشركاء ما تستحقه من وقت وتدقيق.
أحط نفسك بكفاءات أفضل منك
في القاعدة التاسعة، شدد العلمي على ضرورة استقطاب الكفاءات والقبول بوجود أشخاص أكثر خبرة أو قدرة في بعض المجالات، محذرا مما سماه «وسادة عدم الكفاءة».
ويقوم هذا المفهوم، بحسب شرحه، على لجوء بعض المسؤولين إلى إبعاد الموظفين المتفوقين خوفا من أن يشكلوا تهديدا لمواقعهم، وتعويضهم بأشخاص أقل كفاءة. وإذا تكرر هذا السلوك عبر مستويات الإدارة، فإنه يؤدي تدريجيا إلى إضعاف المؤسسة وتقليص قدرتها على التطور.
ولمواجهة ذلك، دعا إلى تقييم المسؤولين بناء على قدرتهم على بناء فرق قوية واستقطاب المواهب وتطويرها، وليس فقط على أدائهم الفردي. فالقيمة الحقيقية للمدير، في هذا التصور، ترتبط أيضا بمستوى الكفاءات التي ينجح في جمعها حوله.
كما اعتبر أن تولي الأبناء مسؤولية المقاولات العائلية ينبغي أن يستند إلى الكفاءة والاستعداد الفعلي، لا إلى الانتماء العائلي وحده. وينبغي، بالمنطق نفسه، اختيار المحامين والمستشارين والمحاسبين والمصرفيين بناء على جودة خدماتهم وقدرتهم على مواكبة تطور الشركة.
التخطيط للخلافة ضمان لاستمرارية المقاولة
خصص العلمي القاعدة العاشرة لمسألة نقل المسؤولية والحفاظ على استمرارية المقاولات العائلية، محذرا من أن غياب التخطيط المسبق قد يؤدي إلى ضياع القيمة التي راكمتها الشركات على مدى سنوات.
وأشار إلى أن النزاعات بين الورثة، وعدم وضوح المسؤوليات، والتمسك بالأنشطة التاريخية رغم تغير السوق، كلها عوامل قد تهدد مستقبل المقاولة.
ودعا لذلك إلى الاستعداد المبكر لمرحلة انتقال القيادة، وتحديد الأدوار والمسؤوليات، وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة لتطوير نموذج العمل بما يتلاءم مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
وبالنسبة إليه، فإن الحفاظ على المقاولة لا يعني الإبقاء على النشاط نفسه إلى الأبد، بل ضمان قدرتها على التكيف والتجدد. فاستمرارية الشركة ترتبط بمدى استعداد أصحابها لإعادة النظر في اختياراتهم، وتطوير الكفاءات، واتخاذ القرارات الصعبة في الوقت المناسب.
وتعكس القواعد العشر التي قدمها مولاي حفيظ العلمي تصورا للمقاولة يجمع بين الطموح والانضباط، وبين خلق الثروة والمسؤولية، وبين الجرأة والقدرة على الاعتراف بالأخطاء. وهي رسالة مفادها أن بناء شركة ناجحة لا يقوم على فكرة لامعة وحدها، بل على قرارات مدروسة، وفريق كفء، وشركاء منسجمين، واستعداد دائم لمواجهة التحولات.




