يبدو أن صومعة الكتبية وساحة جامع الفنا بمراكش التحقتا، دون سابق إنذار، بصفوف الجيش الجزائري، بعدما ظهرتا في شريط دعائي نشرته وزارة الدفاع الجزائرية للتباهي بمكانة بلادها في القارة الإفريقية.
ولم يجد القائمون على إنتاج الفيديو حرجا في استعارة أشهر معالم المدينة الحمراء لتزيين خطابهم عن أمجاد الجزائر، وكأن الحدود الجغرافية قابلة للتعديل ببرنامج مونتاج، والتاريخ المغربي مجرد مخزون مجاني للصور يمكن السطو عليه كلما افتقر الإنتاج الدعائي إلى مشاهد مقنعة.
وفاجأت وزارة الدفاع الجزائرية متابعي حسابها الرسمي على منصة إكس، أمس (الخميس)، بفيديو يستعرض ما تصفه بأدوار الجزائر في الدفاع عن الشعوب الإفريقية وصناعة مستقبل القارة، إلا أن فريق الإخراج بدا وكأنه وجد في مراكش ما لم يعثر عليه في الأرشيف السياحي الجزائري، فاستدعى صومعة الكتبية وساحة جامع الفنا لتأدية دور البطولة في ملحمة دعائية لا علاقة لجغرافية الجزائر بمعالمها.
ولم تسلم صومعة الكتبية، التي تقف شامخة في مراكش منذ القرن الثاني عشر، من هذه التعبئة البصرية، إذ ظهرت ضمن المشاهد التي ترافق الحديث عن مكانة الجزائر الإفريقية، رغم أن المدينة العتيقة لمراكش مدرجة ضمن التراث العالمي لليونسكو منذ سنة 1985، وهي حقيقة جغرافية وتاريخية لم ينجح المونتاج العسكري في تغييرها.
أما ساحة جامع الفنا، التي احتفت اليونسكو بتراثها الثقافي غير المادي، فقد وجدت نفسها بدورها مجندة في خدمة الخطاب الترويجي الجزائري، وكأن “الحلقة” الشعبية بمراكش تحولت فجأة إلى فرقة احتياط في الجيش الجزائري، تنتظر أوامر الانتقال إلى الضفة الأخرى من الحدود.
وتزداد طرافة المشهد حين نكتشف أن الشريط لا يتعلق بحملة سياحية أخطأت اختيار الوجهة، وإنما بمادة تتناول السياسة الخارجية للجزائر ومكانتها في إفريقيا، وتصف البلاد بأنها منارة للثقة في القارة.
ومن مفارقات هذه المنارة أنها استعانت بضوء الكتبية المغربية لإضاءة رسالتها الدعائية، في مشهد قد يدفع المشاهد إلى التساؤل عن مصير المعالم الجزائرية التي لم تجد مكانا في الفيديو.
والأكثر إثارة أن الجهة التي تكفلت بتقديم هذا العرض الدبلوماسي المصور ليست وزارة الخارجية ولا مؤسسة مكلفة بالترويج السياحي، وإنما وزارة الدفاع، في تأكيد جديد لحضور المؤسسة العسكرية في مجالات تتجاوز اختصاصاتها الدفاعية، حتى أصبح الترويج للدبلوماسية الإفريقية يمر عبر الثكنات، وتستدعى له، عند الحاجة، معالم من مراكش.




