بعد الجدل الذي أثارته قضية “المعاينات” وما رافقها من نقاشات حادة حول فتح مساطر تأديبية في حق مجموعة من القضاة، جاء قرار المجلس الأعلى للسلطة القضائية ليضع حداً لهذه القضية بقرار حفظ المتابعة التأديبية في حق القضاة الذين شملتهم هذه المساطر. هذا القرار يأتي في إطار تعامل المجلس مع الملفات التأديبية ذات الطابع الخاص، التي تتطلب مقاربة حكيمة ومتزنة. وأشارت مصادر صحفية إلى أن عدد القضاة المتابعين في هذه القضية بلغ نحو 80 قاضياً، لكن الغالبية العظمى منهم لم تُعرض ملفاتهم على المقررين باستثناء خمسة قضاة فقط.
القضاة المعنيون يعتبرون أن قرار المجلس يشكل خطوة إيجابية نحو تعزيز ثقتهم في السلطة القضائية، حيث أظهر تفهماً للوضعية المعقدة التي واجهها هؤلاء القضاة، وأبرز من خلال هذا القرار أهمية الحماية المهنية للقضاة، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات تأديبية يمكن أن تؤثر على سير عملهم واستقلاليتهم، وقد تقرر أيضاً إخضاع القضاة لدورات تكوينية متخصصة في هذا الشأن، وهو ما يعكس توجه المجلس نحو تحسين وتطوير أداء القضاة عبر تعزيز تكوينهم المهني.
وفي سياق متصل، كان نادي قضاة المغرب قد لعب دوراً محورياً في تسليط الضوء على قضية “المعاينات”، إذ قدم تقريراً شاملاً للمجلس الأعلى للسلطة القضائية حول هذه المسألة، واعتبر النادي أن قضية المعاينات تُعد من القضايا الأساسية التي أثارت قلق القضاة، خاصة فيما يتعلق بمفهوم “الأمن المهني”. وأشار النادي في عدة مناسبات، آخرها في بلاغ أصدره بداية السنة الجارية، إلى أن المساطر التأديبية التي تم فتحها في حق العديد من القضاة جاءت بناءً على مخالفتهم لدورية صادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية بتاريخ 17 سبتمبر 2020، والتي تفسر قانون المصاريف القضائية المتعلقة بالقضايا المدنية والتجارية والإدارية، خاصة تلك المرتبطة بمصاريف إجراء المعاينات الميدانية.
هذه الدورية، وفقاً لنادي القضاة، أثارت جدلاً واسعاً بين القضاة لكونها تفسر قانون المصاريف القضائية بشكل مخالف لما ينص عليه القانون، وتحديداً الفصل 56 من قانون المسطرة المدنية، والفصلين 6 و12 من القانون المتعلق بالمصاريف القضائية، وقد اعتبر القضاة أن تفسير المجلس الأعلى للسلطة القضائية يمثل تجاوزاً لصلاحياته، حيث أن محكمة النقض هي الجهة الوحيدة المخولة بتفسير القوانين، ولا يحق لأي جهة أخرى فرض تفسير معين على القضاة. وشددوا على أن القضاة ملزمون بتطبيق القانون كما تفسره المحاكم، وليس بناءً على توجيهات إدارية أو دوريات صادرة عن المجلس.
وفي هذا الصدد، أكدت المذكرة التي أصدرها نادي قضاة المغرب أن التكاليف المرتبطة بإجراء المعاينات الميدانية يتحملها الطرف الذي يطلب الإجراء أو المستفيد منه، وفقاً لما تنص عليه مقتضيات القانون، ولا تتحمل الخزينة العامة هذه المصاريف إلا إذا كان الطرف المستفيد يتمتع بالمساعدة القضائية، وذلك طبقاً للفصل 12 من مرسوم المساعدة القضائية. وأوضح النادي أن الدوريات التي يصدرها المجلس الأعلى للسلطة القضائية ليست قوانين، وبالتالي لا يمكن للقضاة أن يعتمدوا عليها كأساس قانوني في قراراتهم القضائية، بل هم ملزمون بتطبيق النصوص القانونية الصادرة عن البرلمان والمفسرة من قبل المحاكم المختصة.
وأضاف النادي أن المجلس، بوصفه جهة إدارية، يملك حق إصدار دوريات تنظيمية تتعلق بالإدارة القضائية، إلا أن هذه الدوريات لا ينبغي أن تتدخل في توجيه القضاة أثناء ممارسة مهامهم القضائية، حيث يتمتع القضاة بالاستقلالية التامة في اتخاذ قراراتهم دون تدخل أي جهة، بما في ذلك الإدارة القضائية نفسها. هذا الأمر يشكل جزءاً أساسياً من ضمانات استقلال القضاء التي نص عليها الدستور المغربي والقوانين الوطنية، وهو ما يُعتبر إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها النظام القضائي في المغرب.
ختاماً، يُظهر قرار المجلس الأعلى للسلطة القضائية بحفظ المتابعة في قضية المعاينات توازناً دقيقاً بين حفظ حقوق القضاة وضمان احترام القانون، وهو ما يعزز الثقة في مؤسسات العدالة ويؤكد حرص المجلس على حماية الأمن المهني للقضاة دون المساس بمبدأ استقلالية القضاء.




