نتحدث اليوم في هذه الحلقة عن قيمة نبوية ذات وزن وشأن في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يتعلق الأمر بالشورى والتشاور اللتان تعكسان قيم التواصل والتعاون والمشاركة، وهي مبادئ لا تزال مهمة في المجتمع الحديث.
فلا يخفى أن قيمة الشورى والتشاور في الإسلام عظيمة جدًا، فهي ليست مجرد أسلوب إداري أو اجتماعي، بل هي مبدأ أساسي من مبادئ الدين، وصفة من صفات المؤمنين الصادقين، ووسيلة للوصول إلى الصواب وتحقيق المصلحة، ودرء الاستبداد والانفراد بالرأي.
يقول الله تعالى في سورة آل عمران: ” فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ”
ففي هذه الآية خطاب موجه للنبي ﷺ بالأمر بالمشاورة ، رغم أنه معصوم وموحى إليه صلى الله عليه وسلم .
وفي موقع آخر من كتاب الله ، قرن سبحانه وتعالى الشورى بالصلاة والإنفاق، مما يدل على منزلة هذه القيمة العالية كجزء من صفات المؤمنين الناجحين ، فقال تعالى في سورة الشورى ” وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ” . ومن ثمة ، فإن الشورى والتشاور من القيم الأساسية في السيرة النبوية الشريفة، حيث تمثلان الإطار الذي يعتمد عليه المسلمون في اتخاذ القرارات. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُشاور أصحابه في مختلف الأمور، مما يعكس أهمية إرضاء الجماعة واعتبار آراء الآخرين. ومن أشهر الأمثلة على ذلك استشارته لأصحابه في غزوة أحد. كما أنه صلى الله عليه وسلم ، كان يُظهر قبولاً لآراء من يشاوره، حتى لو كانت تختلف عن رأيه الشخصي. وهذا يعزز من قيمة الاحترام والتفاهم بين الأفراد.
إضافة إلى ما سبق ، تساعد الشورى في تعزيز الوحدة بين المسلمين، حيث يشعر كل فرد بالمسؤولية والمشاركة في اتخاذ القرارات.وهذا ما حدث مؤخرا حين اعتدت إيران على دول الخليج العربي ، فقد أجرى جلالة الملك محمد السادس، يوم السبت 28 فبراير، سلسلة مشاورات واتصالات هاتفية مع قادة دول خليجية ، مؤكدا دعم المغرب التام ومساندته لجميع الإجراءات المشروعة التي تتخذها هذه الدول للحفاظ على أمنها وطمأنينة مواطنيها، انطلاقا من الروابط الأخوية الراسخة والتضامن الموصول الذي يجمع المغرب بهذه الدول، على أن أمن واستقرار دول الخليج العربي يشكلان جزءا لا يتجزأ من أمن واستقرار المملكة المغربية. وهذا يذكرنا بما جاء في السيرة النبوية الشريفة .. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم – رغم العصمة والوحي – أكثر الناس مشاورة لأصحابه، كما في غزوة بدر (استشار في مكان المعسكر). وغزوة أحد . (نزل على رأي الأغلبية رغم مخالفته لرأيه الشخصي ) . يقول أبو هريرة رضي الله عنه : ” ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم . ”
لذلك ، يمكن اعتبارها عبادة وطاعة ، هي طاعة لله ورسوله .قال بعض السلف: “ما تشاور قوم إلا هُدوا“، وقيل: “المشورة من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام“.
فما أحوجنا اليوم إلى تطبيق الشورى في مجتمعنا .. حيث التشاور بين الزوجين واجب في كثير من الأمور، وهذا يضمن للأسرة استقرارها واستمراريتها .. وفي العمل والإدارة ، ينبغي لكل مسؤول أن يشاور أهل الخبرة والرأي.
استنتاجا لما سبق ، فالشورى قيمة إسلامية عليا تجمع بين الرحمة والحكمة والعدل، وهي طريق الهداية والنجاح في الدنيا والآخرة. من أراد التوفيق فليستشر ولا يستبد برأيه، فـ “لا خاب من استخار ولا ندم من استشار“.
إحياء القيم النبوية بعد مرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم –الحلقة الواحدة والعشرون
MCG243 دقائق




