الصويرة: محمد طيفور
كان للنقش على خشب العرعار، في سنوات مضت، حضور قوي في المشهد الحرفي بمدينة الصويرة، حتى غدا واحدا من أبرز ملامح ذاكرتها الفنية وموروثها التقليدي، فقد عرفت هذه الصناعة أوجها، وازدهرت ورشاتها، وانتشرت منتجاتها في الأسواق، وأقبل عليها الزوار الباحثون عن قطع تحمل بصمة المدينة وروح صناعها. وكان صوت الإزميل وهو يلامس خشب العرعار جزءا من يوميات الصويرة، كما كانت رائحة الخشب المميزة تختلط بأجواء الورشات وتمنحها طابعا خاصا.
ولم تكن صناعة النقش على العرعار مجرد وسيلة لكسب العيش، فقد كانت مدرسة فنية يتناقل فيها الصناع المهارات والخبرات من جيل إلى آخر، وكانت القطعة الواحدة تحتاج إلى وقت وصبر ودقة، قبل أن تتحول بين يدي الحرفي إلى تحفة تحمل زخارف مستوحاة من البيئة المحلية ومن الذوق المغربي الأصيل.
غير أن هذه الصناعة بدأت، مع مرور السنوات، تفقد شيئا من بريقها، فالمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع كلفة المواد الأولية، وتغير أذواق المستهلكين، فضلا عن المنافسة القوية للمنتجات الحديثة والأقل تكلفة، كلها عوامل جعلت الحرفي يواجه واقعا أكثر صعوبة.
الأكثر إثارة للقلق هو تراجع اهتمام الشباب بتعلم هذه الحرفة، فرغم الجهود المبذولة لتكوينهم وتعريفهم بأسرار النقش على العرعار داخل مركب الصناعة التقليدية بالصويرة، فإن الإقبال لا يزال محدودا مقارنة بما كانت تعرفه المهنة في السابق. ويبدو أن كثيرا من الشباب أصبحوا يبحثون عن مهن توفر دخلا أسرع واستقرارا أكبر، في وقت تحتاج فيه الحرفة التقليدية إلى سنوات من الصبر والممارسة حتى يبلغ المتعلم مستوى الاحتراف.
وهنا تبرز المفارقة: كيف يمكن الحفاظ على حرفة عرفت أوجها وطبعت ذاكرة الصويرة، إذا لم تجد من يحمل مشعلها من الجيل الجديد؟
إن إنقاذ “صنعة”النقش على العرعار لا ينبغي أن يختزل في تعليم تقني داخل الورشات، وإنما يحتاج إلى استراتيجية تجعل من الحرفة خيارا مهنيا حقيقيا للشباب، عبر تحسين ظروف العمل، وتطوير أساليب التسويق، وفتح أسواق جديدة، وتشجيع الابتكار مع الحفاظ على الأصالة، وربط المنتوج بالسياحة الثقافية، ومن بين الخطوات التي تستحق النقاش الجدي العمل على تسجيل النقش التقليدي على خشب العرعار بالصويرةك، ضمن قوائم منظمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، باعتباره تعبيرا أصيلا من تعبيرات التراث المغربي، مع إعداد ملف علمي وتوثيقي يبرز تاريخه وتقنياته ودور الصناع في نقله عبر الأجيال، فالتسجيل، إن استوفى الشروط والمعايير المعتمدة، يمكن أن يمنح هذه الحرفة إشعاعا دوليا أكبر، ويساهم في توثيقها وحمايتها وتعزيز نقلها إلى الأجيال المقبلة.
إن كل قطعة عرعار منقوشة ليست مجرد منتوج للبيع، وإنما جزء من ذاكرة الصويرة. وإذا خفت صوت الأزاميل في ورشاتها، فإن المدينة ستفقد جزءا من صوتها القديم. لذلك، فإن حماية هذه الحرفة اليوم هي في الحقيقة دفاع عن هوية فنية وثقافية صنعتها أيادي الأجداد، وتحتاج إلى أيادٍ جديدة كي تستمر الحكاية.




