لم يكن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، اليوم الثلاثاء 29 شتنبر 2026، رئيسة للحكومة، مجرد محطة جديدة في المسار السياسي للمملكة، بل يشكل لحظة مؤسساتية فارقة في تاريخ المغرب، باعتبارها المرة الأولى التي تتولى فيها امرأة رئاسة الحكومة منذ الاستقلال.

فباستقبال صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري بالقصر الملكي بالرباط، وتعيينها، طبقاً لأحكام الفصل 47 من الدستور، رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، انتقلت المرأة المغربية إلى أعلى موقع في هرم السلطة التنفيذية، في محطة تندرج ضمن مسار طويل شهد خلاله المغرب اتساعاً تدريجياً لحضور النساء في مواقع المسؤولية والقرار.

ويكتسي هذا التعيين دلالته أيضاً من كونه يأتي في سياق دستوري جعل من مبدأ المساواة بين النساء والرجال أحد مرتكزات البناء المؤسساتي للمملكة. فقد أكد خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة مشروع دستور 2011 تكريس المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق المدنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية والبيئية، إلى جانب إحداث آلية للنهوض بالمناصفة بين الرجل والمرأة.

من ترسيخ المبدأ إلى توسيع حضور المرأة في مواقع القرار

على امتداد أكثر من ربع قرن، لم يقتصر حضور المرأة في عهد جلالة الملك على المشاركة في الحياة العامة أو التمثيلية السياسية، بل امتد إلى عدد من المواقع العليا داخل الدولة ومؤسساتها.

وكان تعيين زليخة نصري مستشارة لصاحب الجلالة من بين المحطات المبكرة والبارزة في هذا المسار، حيث أصبحت المرأة حاضرة داخل أعلى دوائر المشورة الملكية، قبل أن تتوالى بعد ذلك تعيينات نسائية في مجالات الإدارة الترابية، والمؤسسات الدستورية، والقطاعات الاستراتيجية، والحكامة والرقابة.

وفي هذا السياق، برزت أمينة بنخضرا على رأس المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، في موقع يرتبط بقطاع استراتيجي من قطاعات الاقتصاد الوطني، لتتسع بذلك دائرة المسؤوليات العليا التي أسندت إلى الكفاءات النسائية.

ومع تعيين زينب العدوي والياً سنة 2014، سجلت الإدارة الترابية بدورها محطة غير مسبوقة، بعدما وصلت امرأة إلى منصب الوالي، وهو من أعلى مواقع المسؤولية في الإدارة الترابية للمملكة.

ولم يتوقف هذا المسار عند الإدارة التنفيذية، بل امتد إلى المؤسسات الوطنية المستقلة والدستورية ذات الصلاحيات الواسعة.

المرأة في صدارة مؤسسات الحكامة والحقوق والرقابة

في 2018، عيّن صاحب الجلالة الملك محمد السادس السيدة آمنة بوعياش رئيسة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان. وقد ربط البلاغ الملكي آنذاك هذا التعيين بالعناية التي يوليها جلالة الملك لحماية حقوق وحريات المواطنات والمواطنين والنهوض بها، وبمواصلة المجلس أداء مهامه باعتباره مؤسسة وطنية مستقلة ذات صلاحيات واسعة.

وفي السنة نفسها، عيّن جلالة الملك السيدة لطيفة أخرباش رئيسة للهيأة العليا للاتصال السمعي البصري، لتتولى رئاسة مؤسسة دستورية وتنظيمية أساسية في مجال الإعلام والاتصال.

ثم جاءت محطة 2021 بتعيين زينب العدوي رئيسة أولى للمجلس الأعلى للحسابات، لتتولى رئاسة أعلى مؤسسة للرقابة على المالية العمومية. وقد أكد البلاغ الملكي المصاحب للتعيين أن المهمة تشمل الحرص على قيام المؤسسة باختصاصاتها الدستورية، ولاسيما في مجال المراقبة العليا للمالية العمومية وتدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة.

وبذلك لم يعد حضور المرأة في مواقع القرار مقتصراً على قطاعات اجتماعية أو مجالات بعينها، وإنما أصبح يشمل مؤسسات ترتبط مباشرة بالرقابة، والحكامة، وحقوق الإنسان، وتنظيم قطاع الإعلام، وهي وظائف مركزية في البناء المؤسساتي للدولة.

من القطاعات الاستراتيجية إلى قلب السلطة التنفيذية

شهدت حكومة 2021 بدورها حضوراً نسائياً في قطاعات ذات وزن اقتصادي واستراتيجي، من بينها الاقتصاد والمالية والانتقال الطاقي.

وتولت نادية فتاح حقيبة الاقتصاد والمالية، فيما تولت ليلى بنعلي قطاع الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، في امتداد لمسار أصبحت فيه الكفاءات النسائية حاضرة في تدبير ملفات ترتبط مباشرة بالاقتصاد الوطني، والمالية العمومية، والطاقة والتحول الاقتصادي.

وهكذا، أخذ مسار تمكين المرأة من المسؤولية طابعاً أكثر اتساعاً، بحيث أصبح الوجود النسائي في مواقع القرار مرتبطاً ليس فقط بالتمثيلية، وإنما كذلك بتدبير الملفات التي تقع في صميم الخيارات الاقتصادية والاستراتيجية للمملكة.

التعليم وتكوين الرأسمال البشري.. محطة جديدة

وفي 28 مارس 2025، عيّن صاحب الجلالة الملك محمد السادس السيدة رحمة بورقية رئيسة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.

ويحمل هذا التعيين دلالة خاصة بالنظر إلى المكانة التي تحتلها منظومة التربية والتكوين في الرؤية الملكية للمستقبل الوطني، باعتبارها مدخلاً أساسياً لتأهيل الرأسمال البشري ومواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المملكة.

وأكد المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن التعيين الملكي يأتي في سياق العناية التي يوليها جلالة الملك لمواصلة إصلاح المنظومة الوطنية للتربية والتكوين، باعتبارها من الأولويات الوطنية المرتبطة بتأهيل الرأسمال البشري.

وفي الفترة نفسها، جدد جلالة الملك تعيين آمنة بوعياش رئيسة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، بما يعكس استمرار حضور المرأة على رأس مؤسسات وطنية ذات طبيعة دستورية وحقوقية.

مسار يتدرج من المسؤولية إلى القيادة

وإذا كانت هذه التعيينات قد شكلت، كل واحدة منها، محطة مهمة في مسار حضور المرأة داخل مؤسسات الدولة، فإن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يمثل انتقالاً نوعياً في هذا المسار.

فالمرأة المغربية لا تصل اليوم إلى رئاسة مؤسسة دستورية أو قطاع حكومي أو موقع إداري رفيع للمرة الأولى، وإنما تصل إلى رئاسة السلطة التنفيذية نفسها.

ويأتي ذلك في إطار مقتضيات الفصل 47 من دستور المملكة، الذي ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. وقد جاء تعيين فاطمة الزهراء المنصوري عقب تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026.

وبذلك يجتمع في هذه المحطة بعدان: البعد الدستوري المرتبط بنتائج الانتخابات ومسار تشكيل الحكومة، والبعد التاريخي المرتبط بوصول امرأة لأول مرة إلى رئاسة الحكومة المغربية.

المساواة.. من المبدأ الدستوري إلى الممارسة المؤسساتية

إن تتبع هذه المحطات يكشف أن حضور المرأة في مواقع المسؤولية لم يعد موضوعاً منفصلاً عن تطور البناء المؤسساتي للمملكة، بل أصبح جزءاً من مسار أوسع ارتبط بإصلاحات دستورية وتشريعية ومؤسساتية متتالية.

وقد أكد جلالة الملك، في رسالته إلى المشاركين في المؤتمر العالمي لسيدات الأعمال، أن المغرب يواصل مسيرته في اتجاه تحقيق المساواة بين الرجال والنساء في الحقوق والواجبات، مع التأكيد على تعزيز دور المرأة وتشجيع انخراطها في مختلف ميادين الحياة العامة، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.

ومن هذا المنظور، فإن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري لا يأتي بمعزل عن سياق سابق، بل يندرج في مسار مؤسساتي تراكمي انتقلت خلاله المرأة المغربية من مواقع المسؤولية إلى مواقع صناعة القرار، ومن المشاركة في تدبير الشأن العام إلى تولي أعلى مسؤولية في الجهاز التنفيذي.

لقد أصبحت المرأة المغربية، خلال عهد جلالة الملك محمد السادس، حاضرة في مواقع متعددة من بنية الدولة: داخل المؤسسة الملكية، وفي الإدارة الترابية، وعلى رأس المؤسسات الدستورية، وفي أجهزة الرقابة والحكامة، وفي القطاعات الاقتصادية والاستراتيجية، وصولاً اليوم إلى رئاسة الحكومة.

محطة جديدة في مسار المملكة

يبقى تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، بما يحمله من سابقة تاريخية، محطة جديدة في هذا المسار. فهي أول امرأة تُعيّن رئيسة للحكومة في تاريخ المغرب، وفي الوقت نفسه أول امرأة تنتقل من مواقع المسؤولية السياسية والحكومية إلى قيادة الجهاز التنفيذي للمملكة.

وبين تعيينات نسائية متتالية على مدى سنوات، وصولاً إلى محطة 29 شتنبر 2026، تتشكل صورة لمسار مؤسساتي جعل من الكفاءة والمسؤولية والاضطلاع بالمهام العليا مدخلاً لحضور المرأة في مختلف مستويات القرار.

وهكذا، فإن مسار المرأة في عهد جلالة الملك محمد السادس لا تختزله الأرقام وحدها، ولا تقاس دلالته فقط بعدد المناصب التي تولتها النساء، وإنما يتجسد كذلك في اتساع طبيعة المسؤوليات التي أصبحت تسند إليهن، وفي انتقال حضورهن من قطاعات ومواقع محددة إلى مختلف مستويات الدولة ومؤسساتها.

واليوم، ومع تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، تبلغ هذه الدينامية إحدى أبرز محطاتها، لتفتح أمام المرأة المغربية صفحة جديدة في تاريخ المشاركة في تدبير الشأن العام وقيادة مؤسسات الدولة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version
✕
MCG24

مجانى
عرض