دخل ملف الصحراء المغربية مرحلة جديدة خلال سنة 2026، بعدما انتقلت المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة من عرض المواقف السياسية إلى مناقشة ترتيبات عملية يمكن أن تشكل أساسا لتسوية مستقبلية، في مقدمتها مقترح اتفاق إطار وبحث فكرة إنشاء مجلس انتقالي.

وتكشف مضامين التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة، المؤرخ في 1 أكتوبر 2026، أن المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا، وبدعم من الولايات المتحدة، عمل خلال الأشهر الماضية على تقريب وجهات النظر بين المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، بعد سنوات من الجمود.

ويأتي هذا التحرك في سياق جديد أرساه قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمفاوضات، ودفع الأطراف إلى العودة إلى طاولة الحوار المباشر.

وشهدت بداية السنة ثلاث جولات رئيسية من المباحثات، احتضنتها واشنطن ومدريد، بمشاركة المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، وبرئاسة مشتركة بين دي ميستورا والجانب الأمريكي.

وخلال الجولة الأولى بواشنطن يومي 18 و19 يناير، قدم المغرب مقترحه للحكم الذاتي في صيغته الموسعة، وأكد استعداده للعمل من أجل التوصل إلى حل مقبول وتنفيذه بشكل مشترك.

أما جبهة البوليساريو، فقد عرضت بدورها أفكارها ومقترحاتها، ما فتح الباب أمام الانتقال إلى نقاش أكثر تفصيلا حول طبيعة التسوية الممكنة.

لكن التطور الأبرز ظهر خلال الجولة الثانية التي احتضنتها مدريد في فبراير، حيث لم يعد النقاش مقتصرا على المواقف السياسية، بل امتد إلى ترتيبات مرتبطة بمرحلة انتقالية محتملة.

ومن بين الأفكار التي جرى بحثها خلال مفاوضات مدريد إنشاء «مجلس انتقالي»، إلى جانب مناقشة قضايا مرتبطة بالضمانات الدولية، وتقاسم الموارد، والمصالحة والعفو، ونزع السلاح وإعادة الإدماج، والترتيبات الأمنية والانتخابات.

كما طرحت موريتانيا فكرة تشكيل لجنة توافقية للمساعدة في توضيح مسألة الحدود الدولية النهائية والدائمة.

ولا يعني طرح هذه الأفكار، وفق التقرير الأممي، أن الأطراف اتفقت عليها أو أن مجلسا انتقاليا أصبح أمرا واقعا، وإنما يتعلق الأمر بعناصر دخلت النقاش ضمن البحث عن صيغة يمكن أن تقود إلى تسوية سياسية.

وبعد جولة مدريد، اشتغلت فرق أممية وأمريكية على مشروع أولي لاتفاق إطار يتعلق بمرحلة انتقالية محتملة، إلى جانب مقترحات توفيقية حول عدد من الملفات المطروحة.

وخلال الجولة الثالثة التي عقدت في واشنطن يومي 23 و24 فبراير، توسع النقاش حول المجلس الانتقالي والترتيبات المرتبطة به.

كما شهدت هذه الجولة، بحسب التقرير، أول نقاش مباشر بهذا المستوى حول قضيتي السيادة وتقرير المصير، وهما من أبرز نقاط الخلاف بين الأطراف.

ومع استمرار التباين في المواقف، واصل دي ميستورا والمسؤولون الأمريكيون اتصالات منفصلة مع الأطراف، بهدف البحث عن أرضية مشتركة تسمح بمواصلة المسار السياسي.

وفي هذا السياق، شدد دي ميستورا على أن أي نموذج للحكم الذاتي ينبغي أن يستجيب لمعايير دولية مرتفعة، وأن يتضمن ضمانات دولية قوية، إلى جانب تشاور ذي معنى مع الصحراويين.

ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، باعتبار أن تقرير الأمين العام يربط المرحلة المقبلة من المفاوضات بمقترح الحكم الذاتي المغربي.

فمشروع اتفاق الإطار الذي يجري العمل عليه يمكن أن يوفر، في حال التوافق بشأنه، أرضية للتفاوض حول نموذج أكثر تفصيلا للحكم الذاتي، بدل بقاء النقاش عند مستوى المواقف العامة.

وهنا يظهر التحول الأساسي الذي يعكسه التقرير: الانتقال من سؤال «ما الذي يطرحه كل طرف؟» إلى البحث في «كيف يمكن تنفيذ التسوية وما هي الضمانات والترتيبات التي سترافقها؟».

لكن الوصول إلى هذه المرحلة لا يعني أن الخلافات الأساسية قد حسمت، إذ لا تزال قضايا السيادة وتقرير المصير وشكل المرحلة الانتقالية وضمانات التنفيذ مطروحة للتفاوض.

ولم تتوقف اتصالات دي ميستورا بعد الجولات الثلاث، إذ واصل لقاءاته مع مختلف الأطراف والدول المعنية بالملف.

وشملت هذه الاتصالات ممثلي جبهة البوليساريو في بروكسيل، ومسؤولين جزائريين ومغاربة، إضافة إلى زيارة مخيمات تندوف ولقاءات مع المسؤولين الجزائريين والموريتانيين.

ويعكس هذا الحراك رغبة الأمم المتحدة في الحفاظ على المسار السياسي وعدم العودة إلى مرحلة الجمود التي طبعت الملف لسنوات.

كما سجل التقرير استمرار تأكيد الأطراف التزامها بالعملية السياسية، مع الإقرار بأن غياب الثقة، خصوصا بين المغرب وجبهة البوليساريو، ما يزال من أبرز العقبات أمام تحقيق تقدم نهائي.

وبالتوازي مع التحرك داخل المسار الأممي، يرصد التقرير تطورات في مواقف عدد من الدول تجاه قضية الصحراء المغربية.

وأشار إلى مواقف داعمة لمقترح الحكم الذاتي كأساس للمفاوضات، إلى جانب خطوات اتخذتها دول أخرى تجاه جبهة البوليساريو وما يسمى «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية».

كما أشار التقرير إلى تحديث الاتحاد الأوروبي لموقفه الجماعي في يناير 2026، بما يؤكد دعم مسار تفاوضي يجعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمباحثات.

وتعكس هذه المعطيات، في سياق التقرير، اتساع دائرة التعامل مع المقترح المغربي باعتباره إحدى الركائز الأساسية للمسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة.

ورغم الحراك السياسي، لا تزال التطورات الميدانية حاضرة في تقرير غوتيريش.

فقد سجلت الأمم المتحدة استمرار أعمال عدائية منخفضة الحدة قرب الجدار الرملي، إضافة إلى حوادث إطلاق نار وضربات بطائرات مسيرة شرق الجدار.

وكانت مدينة السمارة قد شهدت في 5 ماي حادث إطلاق صواريخ أسفر عن إصابة مدني واحد وأضرار مادية، فيما سجلت البعثة الأممية لاحقا حوادث أخرى شرق الجدار.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه التطورات الأمنية يفرض تحديات إضافية أمام بعثة المينورسو، التي تواصل تنفيذ مهامها في ظروف ميدانية معقدة.

ويأتي التقرير في وقت يستعد فيه مجلس الأمن لمناقشة مستقبل بعثة المينورسو، التي تنتهي ولايتها في 31 أكتوبر.

وكان القرار 2797 قد فتح الباب أمام مراجعة استراتيجية لمستقبل البعثة، في ضوء تطورات المسار السياسي والاتصالات المباشرة بين الأطراف.

وبالتالي، ستكون مناقشة تجديد ولاية المينورسو مرتبطة أيضا بالسياق الجديد الذي أفرزته مفاوضات 2026، خصوصا بعدما أصبح الحديث لا يدور فقط حول استمرار وقف إطلاق النار ومراقبة الوضع الميداني، وإنما كذلك حول كيفية دعم المسار السياسي الجديد.

ويقدم تقرير غوتيريش صورة لمسار سياسي بدأ ينتقل تدريجيا من مرحلة الجمود وتبادل المواقف إلى مرحلة البحث عن ترتيبات أكثر تفصيلا.

فكرة المجلس الانتقالي، ومشروع اتفاق الإطار، والضمانات الدولية، والتشاور مع السكان، كلها عناصر أصبحت مطروحة ضمن النقاش الأممي، فيما يشكل مقترح الحكم الذاتي المغربي قاعدة أساسية للمفاوضات وفق المسار الذي أرساه قرار مجلس الأمن 2797.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version
✕
MCG24

مجانى
عرض