عرضت الحكومة برنامج عملها للفترة 2026-2031، واضعة التشغيل وتحسين القدرة الشرائية وجودة الخدمات العمومية وتقليص الفوارق المجالية ضمن أبرز أولوياتها، إلى جانب تعزيز السيادة المائية والطاقية والغذائية، وتطوير الاقتصاد الوطني، وإدماج الشباب في التعليم والتكوين وسوق الشغل.
وأكدت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، خلال تقديم البرنامج أمام مجلسي البرلمان، أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من توسيع التغطية الاجتماعية إلى تحسين جودة الخدمات، ومن حجم الاستثمار إلى مردوديته، ومن تعدد البرامج العمومية إلى تعزيز تكاملها وقياس أثرها على الحياة اليومية للمواطنين.
ويستند البرنامج، وفق الخطاب، إلى سبع أولويات رئيسية تشمل توطيد دولة الحق والقانون والمؤسسات، ومحاربة الفساد والريع، وصيانة الهوية وتماسك المجتمع، وضمان العيش الكريم والدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب، وتأمين السيادة الاستراتيجية وتعزيز الإشعاع الدولي، ثم بناء اقتصاد قادر على تمويل الطموحات الاجتماعية والتنموية.
النمو الاقتصادي والتشغيل في صدارة الأهداف
تطمح الحكومة إلى تحقيق متوسط نمو اقتصادي سنوي يبلغ 5 في المائة خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031، مع حصر التضخم في حدود 2 في المائة سنويا، بهدف دعم الاستقرار الاقتصادي وحماية القدرة الشرائية للأسر.
كما يستهدف البرنامج ضبط عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال الفترة 2026-2031، ووضع المديونية العمومية في مسار تنازلي لتقترب من 62 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول سنة 2031.
وفي ما يتعلق بالاستثمار، تعتزم الحكومة تعزيز مساهمة القطاع الخاص لتبلغ ثلثي الاستثمار الوطني، من خلال مواصلة تنزيل ميثاق الاستثمار، وتسريع المشاريع المتعاقد بشأنها، ومواصلة إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، إلى جانب تحسين شروط التمويل والضمان والولوج إلى الصفقات العمومية، مع إيلاء اهتمام خاص للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة.
ويراهن البرنامج كذلك على تطوير الصناعة الوطنية، ورفع القيمة المضافة للإنتاج، وتعزيز الصادرات وتعويض الواردات، خصوصا المنتجات تامة الصنع، فضلا عن توسيع الاستثمارات في البنيات التحتية والقطاعات الإنتاجية والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
الحكومة تراهن على إدماج الشباب في سوق الشغل
خصص البرنامج الحكومي حيزا مهما للشباب، في ظل المعطيات الواردة في الخطاب بشأن وجود نحو 2,9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج التعليم والتكوين والشغل، وبلوغ معدل البطالة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة 29,2 في المائة، فضلا عن مغادرة نحو 300 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنويا دون الحصول على تأهيل.
ولمواجهة هذه التحديات، تعتزم الحكومة إطلاق برنامج وطني للمواكبة الاجتماعية والترابية ابتداء من سنة 2027، يستهدف تكوين 100 ألف شاب سنويا وفق حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب سنويا من الاستفادة من أول تجربة مهنية، مع رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد سنويا.
كما يشمل البرنامج مواكبة 60 ألف مقاولة، عبر تسهيل التمويل والضمان والولوج إلى الأسواق والصفقات العمومية، إلى جانب تفعيل آليات لدعم التنقل المهني لفائدة الأشخاص الذين يحصلون على فرص عمل خارج مناطق إقامتهم، وتوفير حلول للسكن بالكراء بأسعار مناسبة.
وتؤكد الحكومة أن إدماج الشباب لن يقتصر على التشغيل، بل سيمتد إلى المشاركة السياسية والمؤسساتية، والتكوين في المهن الرقمية، وإشراك الكفاءات الشابة في المشاريع الكبرى وأوراش كأس العالم 2030، فضلا عن تشجيع عودة الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج والحد من هجرة حاملي الشهادات العليا.
إصلاح التعليم وتقليص الهدر المدرسي
في قطاع التعليم، يحدد البرنامج هدف رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل في أفق سنة 2031.
وتعتزم الحكومة مواصلة تطوير وتعميم نموذج مؤسسات الريادة، وإعداد مرجع وطني ملزم للتعلمات الأساسية، واعتماد تقييمات تشخيصية منتظمة، وتعزيز الدعم التربوي والمواكبة الفردية للتلاميذ، مع توظيف الوسائل الرقمية لتتبع تطور المكتسبات وتحسين جودة التعلمات.
كما يضع البرنامج هدف «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق سنة 2030، من خلال رصد التلاميذ المهددين بمغادرة المدرسة في وقت مبكر، وتتبع مساراتهم بصورة فردية، وتوجيه المنقطعين نحو حلول بديلة تتلاءم مع أوضاعهم، سواء عبر إعادة الإدماج في التعليم أو الالتحاق بالتكوين المهني أو الاستفادة من التكوين بالتدرج.
ويأتي هذا التوجه في إطار ربط إصلاح المدرسة العمومية بتأهيل الرأسمال البشري، وتوفير فرص أفضل للشباب للاندماج في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
السكن القروي والدولة الاجتماعية
في مجال السكن، تعتزم الحكومة اعتماد سياسة متكاملة للفترة 2026-2031، تروم توفير سكن ملائم بأسعار مناسبة، وتحسين جودة الأحياء، وتقريب السكن من فرص الشغل والنقل والخدمات، إلى جانب تقليص الفوارق بين المجالات الترابية.
ويتضمن البرنامج إحداث عرض وطني للسكن المخصص للكراء، ومواصلة دعم التملك، وتطوير حلول سكنية لفائدة موظفي القطاعات التي تواجه صعوبات في الاستقطاب، فضلا عن استكمال الجهود الرامية إلى القضاء على السكن غير اللائق.
كما تعتزم الحكومة إطلاق برنامج خاص بالسكن القروي يستهدف تأهيل أو بناء 100 ألف مسكن خلال الولاية الحكومية، خصوصا في المراكز القروية الصاعدة، مع منح دعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم للأسرة المؤهلة، إلى جانب مواكبة تقنية مجانية.
ويرتبط هذا الورش، وفق البرنامج، بإعداد إطار قانوني للتعمير في الوسط القروي، يروم تبسيط مساطر البناء والتعمير وتسوية وضعية المباني القائمة متى ثبتت سلامتها واحترامها لحقوق الغير.
وعلى مستوى الحماية الاجتماعية، تتعهد الحكومة بالانتقال من تعميم التغطية إلى ضمان الولوج الفعلي والعادل والمستمر إلى الخدمات الصحية ذات الجودة، مع مواصلة إصلاح منظومتي الصحة والتعليم وتعزيز الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي.
ويتضمن البرنامج أيضا تمكين الأرملة من معاش كامل يعادل 100 في المائة من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، بدلا من 50 في المائة المعمول بها حاليا، مع الحفاظ على حقوق الأيتام وباقي ذوي الحقوق، وفق ما ورد في الخطاب.
السيادة المائية والطاقية والغذائية ضمن الأولويات
في مواجهة التحديات المناخية والتحولات الدولية، تضع الحكومة الأمن المائي والغذائي والطاقي والبيئي ضمن محاور برنامجها، مع التوجه نحو تنويع مصادر التزود بالموارد الأساسية وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة الأزمات.
وفي المجال الطاقي، يستهدف البرنامج رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52 في المائة من المزيج الطاقي في أفق سنة 2030، مع مواصلة تنزيل عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر، والتقدم في تطوير البنية التحتية للغاز، وتعزيز تدابير النجاعة الطاقية وترشيد الاستهلاك.
أما في مجال الماء، فتعتزم الحكومة تسريع إنجاز السدود، خصوصا في المناطق الجافة وشبه الجافة والجبلية والواحات، إلى جانب تطوير محطات تحلية مياه البحر بهدف تعبئة 1,8 مليار متر مكعب في أفق سنة 2031. كما يشمل البرنامج إنجاز مشاريع لنقل المياه بين الأحواض والجهات عند الضرورة، وإعداد مخطط وطني للماء ينسق السياسات المرتبطة بالماء والفلاحة والطاقة والبيئة وإعداد التراب.
وفي ما يخص الأمن الغذائي، تعتزم الحكومة رفع حصة البذور الوطنية من 20 إلى 50 في المائة خلال الولاية الحكومية، مع تعزيز المخزونات وضمان تموين السوق ومراجعة تدبير مخزون الحبوب وضبط صادرات السلاسل الحساسة. كما يتضمن البرنامج تدابير لإعادة تكوين القطيع الوطني، وتيسير ولوج صغار الكسابة إلى السلالات عالية الإنتاجية، وتقوية اليقظة الصحية والوبائية.
الاقتصاد الرقمي والصناعة والسياحة
يراهن البرنامج الحكومي على تعزيز السيادة الرقمية والصناعية، من خلال إرساء آلية وطنية مندمجة للأمن السيبراني وحماية البيانات والأنظمة الحيوية، وتوسيع الولوج إلى الإنترنت، خصوصا بالمناطق النائية، إلى جانب إعداد إطار للذكاء الاصطناعي الآمن والمسؤول ودعم المقاولات الناشئة المبتكرة.
كما تسعى الحكومة إلى تطوير الصناعات منخفضة الكربون، وتعزيز موقع المغرب في سلاسل القيمة العالمية، وتطوير الممرات البحرية واللوجستية والطاقية، فضلا عن توفير الظروف اللازمة لتطوير قاعدة صناعية وتكنولوجية دفاعية، وتقوية الأسطول البحري التجاري الوطني وتسريع المشاريع المينائية والمناطق الصناعية واللوجستية المرتبطة بها.
وفي القطاع السياحي، يستهدف البرنامج بلوغ 26 مليون سائح بحلول سنة 2030، من خلال إطلاق خارطة طريق للفترة 2027-2030، مع مواصلة تحديث الفلاحة ودعم التعاونيات والاقتصاد الاجتماعي والتضامني واقتصاد الرياضة.
سبع أولويات وإطار لتنفيذ الالتزامات
يرتكز البرنامج الحكومي، بحسب الخطاب، على توطيد دولة الحق والقانون والمؤسسات، وتعزيز الثقة في العمل العمومي، وتقريب العدالة من المواطنين، ومواصلة الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية المرتبطة بالحقوق والحريات، إلى جانب محاربة الفساد والريع.
كما يؤكد مواصلة الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة ودعم مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، وتسريع تنمية الأقاليم الجنوبية، مع التمسك بالموقف المغربي من القضية الفلسطينية والقدس الشريف، والتسوية السلمية القائمة على حل الدولتين.
وشددت رئيسة الحكومة على أن نجاح البرنامج يرتبط بالتعاون مع البرلمان واحترام أدواره التشريعية والرقابية والتقييمية، والانفتاح على المعارضة والشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين والمجتمع المدني والإعلام والكفاءات الوطنية.
وبذلك، يضع البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 مجموعة من الأهداف الرقمية والاجتماعية والاقتصادية التي ستشكل إطارا لتدبير المرحلة المقبلة، فيما يظل تحقيقها مرتبطا بمدى تحويل الالتزامات المعلنة إلى إجراءات عملية ونتائج ملموسة في حياة المواطنين.
