خاص من طرابلس
تتواصل فعاليات معرض النيابة العامة للكتاب في نسخته الثالثة الذي انطلق بالعاصمة الليبية طرابلس نهاية الأسبوع الماضي بمشاركة دور نشر محلية وعربية , حيث تنوعت الإصدارات في مجالات الأدب والقانون والأمن السيبراني . كما صاحب المعرض برنامج ثقافي شمل حواريات في الفكر وفنون السرد وكذا أمسيات شعرية وحفلات توقيع كتب .
ففي مجال الرواية كان اللقاء في أولى الفعاليات الثقافية مع الدكتور عبدالحفيظ العابد والكاتب شكري الميجي إيدي للحديث عن موضوع : عندما يتحول الشاعر إلى روائي هل يبقى الشعر كامنا فيه؟
حيث أوضح العابد أن الرواية تتسع لأكثر من جنس أدبي , ومع ذلك فحضور الشعر في الرواية مقنن جدا , ربما في السير الروائية يغلب عليها أن تكون روايات شعرية , لكن الروائي في النهاية يتكلم بثقافة ورؤية الشخصية .
عن علاقة الفلسفة بالرواية قال العابد أن مراحل الرواية متعددة , فنحن نشهد رواية تقوم على التجريب , وتقدم معرفة وليست معنية بالبعد الفلسفي كما أن هذه المعرفة لا تأتي في شكل خطاب مباشر , وإنما من خلال رؤيا عامة تحكم الرواية وعلى القارئ أن يستنتج هذا , مضيفا أن الرواية ليست خطابا وعظيا وأخلاقيا حتى وإن تداخلت بها بعض الرؤى الفلسفية .
وحول ما إذا كانت الصحراء تشغل حيزا واسعا في الرواية الليبية أشار العابد أن الكاتب ينطلق من واقع تجربته الذاتية وحيزه الخاص فيكتب عن الصحراء والقرية , وهنا يلامس الكاتب تجربته السردية بالخصوص , وإذا ما قلنا أن الصحراء والقرية تقع على هامش المدينة فالرواية معنية بتتبع سياقات وفضاءات هذا الهامش .
وفيما يتعلق ببروز أعمال ليبية روائية في مسابقات دولية , وما إذا كان ذلك يعكس نضوجا في الكتابة السردية يجيب العابد أن الإفادة المهمة من ذلك هو توجيه القراء إلى هذه الأعمال وتأكيد حضور الأدب الليبي في الفضاء العربي عموما.
ومن جانبه سرد الكاتب شكري الميدي ايجي جانبا من سيرته الذاتية , وكيف برزت أولى التساؤلات عن الهوية في المدرسة عندما طلب المعلم خروج الطلبة غير الليبيين ثم تقدم نحوي متساءلا أنت ليبي , يقول شكري : شعرت لأول مرة أن هناك شيء مختلف , و عرفت لا لحقا أن هناك قرار قسم المجتمع التباوي إلى قسمين , ظهر هذا الاختلاف في المدارس , ومؤسسات السلع التموينية من خلال مصطلح المساهمين وغير المساهمين أي الذين لا يستطيعون الحصول على المواد الغذائية الأساسية من تلك المؤسسات في زمن وظرف صعب جدا .
يشير الميدي ايجي أن علاقته بالكتابة جاءت لحظة تعرفه على ادب الكاتب الصادق النيهوم وكتاب ألف ليلة وليلة , حيث قادته فكرة تقليد ما قرأه , ولاحقا أصبح لديه الرغبة في التحرر من تلك الفكرة , ولا ينسى الإشارة إلى أن تعرفه على أدب النيهوم وكتاب ألف ليلة وليلة جاء من خلال واقعة طريفة وهي اجراء عقابي من قبل الوالد نتيجة ارتكابه فعلا غير مقبول وكان السجن في مكتبة البيت التي تحوي قرابة 700 كتاب , ومنها تعرف على نتاج االنيهوم وعوالم ألف ليلة وليلة .
إلى جانب الرواية كان الشعر حاضرا على امتداد فعاليات المعرض , حيث استمع الجمهور إلى قصائد كلا من الشعراء ( عمر عبد الدايم , أمل بنود , فتحية الجديدي , حنان محفوظ , أحمد الفاخري , أكرم اليسير , موني بن منصور , حمزة ,كمال الشلبي ).
وحول علاقة إيطاليا بالأدب الليبي قدمت المترجمة والمستشرقة الإيطالية إلفيرا ديانا محاضرة تحت عنوان (استقبال الأدب الليبي في ايطاليا ..بين التاريخ والصورة النمطية ) سلطت فيه الباحث الضوء على أهمية فهم السرد الليبي والإحاطة بتمثلاته المختلفة التي ينبغي للمتلقي الإيطالي إدراكها ,خصوصا وأن الأدب الليبي لايعرف إلا من خلال أسماء محدودة جدا .
مسار الذكاء الاصطناعي
وضمن فعاليات معرض الكتاب ,ألقى الكتب رامز النويصري محاضرة حول مستقبل الكتابة الابداعية في عصر الذكاء الاصطناعي أشار فيها إلى أن فعل الكتابة يمكن النظر إليه بوصفه محاولة لإدارة التجربة الانسانية والتعبير عنها , وبذا يمكننا التساؤل عن طبيعة وخصوصية هذه التجربة فيما إذا كانت نتاج واقع عايشه ولامسه في شكل أحداث ومواقف , أم جاءت الكتابة من منظور تجارب أخرى مكتوبة .
وواصل النويصري أن استخدامات الكاتب للذكاء الاصطناعي يمكن الإفادة منها في اكتشاف الثغرات السردية على سبيل المثال وتطوير الأفكار الأولية ومراجعة الحبكات الروائية , وكذا فإن مسار الكتابة يمكنه الاستناد دون اعتماد كامل على الذكاء الاصطناعي بحسب وجهة نظر النويصري , أي الركون إليه كعنصر مساعد يعمل على سد الثغرات التي قد لا ننتبه إليها في خضم اشتباكنا الذهني مع الصياغة والتعامل مع الشخوص وكل توليفات الحبكة السردية .
من محبوبة إلى الكلامي
من جانبها تناولت الكاتبة محبوبة خليفة في محاضرة ألقتها الإثنين موضوعا بعنوان (غناوة العلم وقصيدة البيت الواحد ) طرحت فيه رؤيتها فيما يتضمنه هذا اللون الشعري والذي يمثل أحد ملامح الموروث الثقافي الليبي , وما يعكسه من دلالات تعبر عن التجربة الانسانية , وكذا إشارتها للمضامين المتعلقة بصون الهوية وحفظ الذاكرة الوطنية .
وضمن سلسلة الفعاليات الثقافية تطرقت الناقدة أحلام الكلامي في محاضرة لها بعنوان (في سؤال المعنى , وحدود القراءة ) مفهوم الاستراتيجية والمنهج والأخير يعتمد على السيميائي والبنيوي , فيما لاستراتيجية تعتمد على المقولة , والمقولة هي الفكرة , والفكرة تنقلنا غلى قراءة النص بثقافاته, أي الثقافة التي يحملها القارئ , فالنص الأدبي مكون من عناصر وجزيئات كأي بناء , فمثلا ذكر النهر والنار لها دلالات تعتمد على وجودها في النص , وهكذا .
كما أوضحت الكلامي أن قراءة النص لا يجب أن تكون منفتحة على تأويلات غير منضبطة أو تخضع لقراءات تفتقر أبجديات السياقات النقدية .
