تستعد جماعة الدار البيضاء للمصادقة على مشروع ميزانيتها برسم سنة 2027، الذي يكشف عن ارتفاع نفقات التسيير إلى 5.352 ملايير درهم، أي ما يعادل 535.2 مليار سنتيم، مقابل 525.5 مليار سنتيم خلال السنة الجارية، بزيادة تناهز 9.73 ملايير سنتيم، في وقت تواجه فيه العاصمة الاقتصادية تحديات مالية متزايدة مرتبطة بتدبير المرافق العمومية وتراجع الموارد البشرية.
وأظهرت مذكرة تقديم مشروع الميزانية أن نفقات التسيير سجلت ارتفاعا بنسبة 1.85 في المائة مقارنة بسنة 2026، ما يعكس استمرار توسع الالتزامات المالية للجماعة، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالدعم والإدارة والخدمات الأساسية، مقابل تقليص الاعتمادات المخصصة لبعض المجالات الاجتماعية والتقنية.
واستحوذ مجال الدعم على النصيب الأكبر من الميزانية المقترحة، باعتمادات تبلغ 2.818 مليار درهم، أي نحو 281.8 مليار سنتيم، مسجلا زيادة بنسبة 6.32 في المائة، وهو ما يجعله أكبر بند ضمن نفقات التسيير، بحصة تفوق نصف الاعتمادات الإجمالية.
وحل مجال الإدارة العامة في المرتبة الثانية، بمخصصات تصل إلى 1.264 مليار درهم، ما يعادل 126.4 مليار سنتيم، رغم تراجع اعتماده بنسبة 5.78 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، فيما بلغت الاعتمادات المرصودة لتدعيم النتائج نحو 749 مليون درهم، أي حوالي 74.9 مليار سنتيم.
وفي المقابل، سجل المجال التقني انخفاضا في مخصصاته إلى 478 مليون درهم، بينما تعرضت ميزانية الشؤون الاجتماعية لتقليص لافت، بعدما تراجعت من 78.37 مليون درهم سنة 2026 إلى 42.47 مليون درهم في المشروع الجديد، بانخفاض نسبته 45.8 في المائة.
ويطرح هذا التقليص تساؤلات بشأن قدرة الجماعة على الاستجابة للحاجيات الاجتماعية المتزايدة داخل العاصمة الاقتصادية، خصوصا في ظل اتساع الطلب على الخدمات والمرافق الاجتماعية، والحاجة إلى تعزيز برامج القرب الموجهة للفئات الهشة.
وتأتي هذه التحولات المالية في سياق تتحمل فيه الجماعة نفقات متزايدة مرتبطة بتدبير قطاعات النظافة والإنارة العمومية والنقل الحضري، فضلا عن الالتزامات الإدارية والمالية الناجمة عن تشغيل المرافق الجماعية، ما يقلص هامش الموارد المتاحة لتغطية حاجيات إضافية.
وتكشف الوثيقة أيضا عن تراجع كبير في الموارد البشرية، إذ انخفض عدد موظفي الجماعة من 11 ألفا و394 موظفا سنة 2020 إلى 7 آلاف و231 موظفا سنة 2026، بفقدان 4163 موظفا خلال ست سنوات، أي بانخفاض بلغت نسبته 36.54 في المائة.
وتزداد حدة هذا الخصاص بالنظر إلى التركيبة العمرية للموظفين الحاليين، حيث تبلغ نسبة الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و62 سنة نحو 81.85 في المائة، ما ينذر باستمرار تراجع الأطر والموارد البشرية خلال السنوات المقبلة بفعل الإحالة على التقاعد.
ورغم هذا الوضع، يقترح مشروع الميزانية تقليص كتلة الأجور والتعويضات ومساهمات التقاعد والاحتياط الاجتماعي إلى 1.045 مليار درهم سنة 2027، مقابل 1.063 مليار درهم خلال 2026.
وسجلت الجماعة خصاصا في عدد من التخصصات الحيوية، خصوصا الأطباء والمهندسين المعماريين والأطباء البيطريين، مع استمرار غياب الخدمات الطبية الجماعية عن ست مقاطعات، تشمل مولاي رشيد وسيدي مومن وسيدي عثمان وسباتة وعين السبع ومرس السلطان.
ولمعالجة جزء من هذا العجز، برمجت الجماعة توظيف 18 طبيبا، يوجه 16 منهم بالأولوية إلى المقاطعات التي تعاني نقص الخدمات الطبية، إلى جانب عشرة مهندسين معماريين وخمسة أطباء بيطريين، مع الاستعانة بمكتب دراسات لتحديد الاحتياجات المستقبلية من الموارد البشرية والكفاءات.
وتعكس معطيات مشروع ميزانية 2027 استمرار الضغط على مالية الدار البيضاء، حيث تتجه حصة مهمة من الاعتمادات إلى ضمان السير العادي للمرافق والخدمات، في وقت تبرز فيه تحديات تتعلق بتجديد الموارد البشرية والمحافظة على جودة الخدمات العمومية، وسط مطالب بتحسين مردودية الإنفاق الجماعي وتوجيه الموارد نحو الأولويات الأكثر ارتباطا بالحاجيات اليومية للسكان.
