دعا هشام صابري، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، إلى بناء دولة اجتماعية متضامنة تجعل من العمل والإنتاج والعدالة الاجتماعية مرتكزات أساسية للتنمية، مؤكدا ضرورة الانتقال من ديمقراطية تكتفي بإنتاج المؤسسات ومنح الشرعية الانتخابية إلى ديمقراطية تحقق نتائج ملموسة في حياة المواطنين وتعزز ثقتهم في المؤسسات.
وشدد صابري، خلال مداخلة فريق الأصالة والمعاصرة في الجلسة العامة المنعقدة يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، والمخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي للولاية التشريعية 2026-2031، على ضرورة استكمال الإطار القانوني لمكافحة الإثراء غير المشروع، واعتماد قانون خاص بالوقاية من تضارب المصالح وتدبيره وزجر مخالفاته، إلى جانب مراجعة منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات، داعيا الحكومة إلى تقديم أجندة تشريعية واضحة ومحددة زمنيا لهذه الإصلاحات خلال السنة الأولى من ولايتها.
واعتبر رئيس الفريق أن المرحلة السياسية الجديدة، التي أعقبت الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 وتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، لا ينبغي اختزالها في تغيير المواقع والمسؤوليات، بل يتعين تقييمها من خلال أثرها على علاقة المواطن بالسياسة، وتحسين ظروف عيشه، ومدى قدرة المؤسسات على تحويل الالتزامات والبرامج إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة.
الشرعية الانتخابية مسؤولية تقتضي المحاسبة
في مستهل مداخلته، اعتبر صابري أن الانتخابات التشريعية شكلت محطة لتجديد الشرعية التمثيلية وتمكين المواطنين من التعبير عن اختياراتهم السياسية والبرنامجية، مشيرا إلى أن العملية الانتخابية جرت في إطار المؤسسات والقواعد القانونية المنظمة لها وفي مناخ من التنافس السياسي.
وأكد أن ذلك لا يعني تجاهل بعض الحالات أو الممارسات التي قد تثير تساؤلات بشأن احترام القواعد القانونية والأخلاقية للمنافسة، داعيا إلى إخضاعها للتحقق والمعالجة القانونية من قبل الجهات المختصة. كما شدد على ضرورة عدم التساهل مع أي ممارسة تمس بحرية الناخب أو نزاهة الاقتراع، مع رفض تعميم الأحكام انطلاقا من حالات فردية دون سند موضوعي.
وبخصوص النتائج الانتخابية، قال رئيس الفريق إن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للتمثيل البرلماني يمثل تكليفا سياسيا ومسؤولية وطنية قبل أن يكون مكسبا انتخابيا، مؤكدا أن الثقة التي يمنحها المواطنون عبر صناديق الاقتراع تظل خاضعة للتقييم والمحاسبة.
وأضاف أن موقع الحزب داخل المؤسسة التشريعية يفرض عليه الإسهام في الارتقاء بجودة النقاش البرلماني، وتطوير التشريع والمراقبة وتقييم السياسات العمومية، والدفاع عن المصلحة العامة بعيدا عن الحسابات الحزبية والظرفية.
تعيين رئيسة الحكومة وإعادة ترتيب الأولويات
وتوقف صابري عند تعيين الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، معتبرا أن هذا التعيين يترجم العلاقة التي ينظمها الفصل 47 من الدستور بين نتائج الانتخابات التشريعية وتشكيل السلطة التنفيذية، كما يحمل تولي امرأة رئاسة الحكومة دلالة مرتبطة بتطور مشاركة النساء في مواقع المسؤولية العمومية.
غير أنه شدد على أن المسؤولية السياسية لا تقاس بالرمزية وحدها، وإنما بمدى القدرة على قيادة العمل الحكومي وتحويل البرنامج إلى سياسات ونتائج ملموسة.
وفي هذا السياق، ربط المتحدث بين تركيبة الحكومة الجديدة وطبيعة الأولويات التي تسعى إلى معالجتها. واعتبر أن الجمع بين الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية يضع فعالية الإنفاق العمومي في صلب التدبير الاقتصادي، بينما يعكس الجمع بين الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي توجها نحو ربط الإنتاج بخلق فرص الشغل وتوسيع قاعدة المستفيدين من الثروة.
كما أبرز أهمية الجمع بين التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل في ربط التعليم باكتساب المهارات والاندماج المهني، إلى جانب تخصيص وزارة للتشغيل والحوار الاجتماعي بما يعكس الاهتمام بجودة العمل والحقوق الاجتماعية واستقرار العلاقات المهنية ودور النقابات.
وأشار أيضا إلى إدراج السيادة الغذائية ضمن اختصاصات وزارة الفلاحة والصيد البحري، والجمع بين التجهيز والماء والغابات، باعتبارهما مرتبطين بالتحديات الاستراتيجية للموارد الطبيعية والاستدامة. كما توقف عند إحداث وزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، وما يتيحه من إمكانات لتحديث الخدمات العمومية وتبسيط المساطر.
واعتبر أن الجمع بين الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة يتيح مقاربة متكاملة لقضايا الحماية والإنصاف، فيما يفتح ربط السياحة بالصناعة التقليدية والاقتصاد التضامني آفاقا لتعزيز التنمية المحلية.
وخلص إلى أن هذه الهندسة الحكومية تبرز ثلاثة توجهات أساسية، تتمثل في النجاعة العمومية والإدماج الاقتصادي والاجتماعي والاستجابة للتحديات الاستراتيجية الجديدة، مع التأكيد على أن الهندسة الحكومية تظل أداة لتنفيذ المشروع السياسي وليست مشروعا في حد ذاتها.
الديمقراطية الاجتماعية بين حرية المبادرة والعدالة الاجتماعية
وفي عرضه للمرجعية السياسية التي يستند إليها فريق الأصالة والمعاصرة، اعتبر صابري أن البرنامج الحكومي ينبغي أن يستند إلى الديمقراطية الاجتماعية، بوصفها تصورا للعلاقة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد، وليس مجرد توجه حكومي يضم شخصيات حزبية.
وأوضح أن هذا التصور ينطلق من اعتبار المجتمع منتجا لشروط إنتاج الثروة واستمرارها، من خلال العمل والمعرفة والمهارات والمؤسسات والبنيات التحتية والرصيد الثقافي والعلمي. وبناء على ذلك، فإن العمل، وفق المداخلة، لا يمثل مجرد نشاط اقتصادي، بل قيمة إنسانية واجتماعية ترتبط بالكرامة والاستقلال والمشاركة في بناء الوطن.
وأكد أن الديمقراطية الاجتماعية تضع العمل والإنتاج في صلب المشروع السياسي، وترفض تحويل الثروة إلى وسيلة لاحتكار الفرص أو الاستحواذ على المصالح المشتركة، مع التمسك بحق المبادرة الفردية وحرية الاستثمار والمقاولة المنتجة.
وشدد في المقابل على ضرورة اقتران الحرية الاقتصادية بالمسؤولية الاجتماعية، معتبرا أنه لا يوجد تعارض بين نجاح المقاولة واحترام حقوق الأجراء، ولا بين خلق الثروة وتحقيق العدالة في توزيع الفرص.
وبحسب رئيس الفريق، فإن المطلوب هو بناء توازن يجعل المبادرة الفردية مصدرا للإبداع والإنتاج، ويضمن للمؤسسات الديمقراطية دورها في حماية المصلحة العامة وتحقيق الإنصاف ومنع احتكار الفرص.
«تمغربيت» إطار جامع للتعدد والتضامن الوطني
وتطرق صابري إلى البعد المجتمعي والوطني للديمقراطية الاجتماعية، مؤكدا أن المجتمع المغربي متعدد الروافد، لكنه موحد في انتمائه الوطني وهويته التاريخية، التي عبر عنها بمفهوم «تمغربيت».
ورفض اختزال المجتمع في قبيلة أو طبقة أو فئة أو انتماء لغوي أو ديني، كما رفض احتكار أي طرف للحديث باسمه، مشددا على أن التعددية السياسية والثقافية والاجتماعية مكتسب يتعين حمايته، دون تحويل الاختلاف إلى وسيلة للاستحواذ على المصلحة العامة أو تقويض التضامن الوطني.
واعتبر أن «تمغربيت» ليست شعارا هوياتيا مغلقا أو انتماء قائما على إقصاء الاختلاف، بل هي المشترك الحضاري والثقافي والقيمي الذي راكمه المغاربة عبر تاريخهم، والذي يسمح بتعدد روافدهم مع الحفاظ على وحدة انتمائهم الوطني.
وأوضح أن هذه الهوية الجامعة تستوعب التنوع وتصون الذاكرة المشتركة، وتؤسس للتضامن بين المغاربة، مهما اختلفت أصولهم أو لغاتهم أو أوضاعهم الاجتماعية أو انتماءاتهم السياسية.
ومن هذا المنطلق، قدم صابري الدولة الاجتماعية باعتبارها مشروعا يتجاوز إعادة توزيع الموارد، ليشمل تعزيز التماسك الوطني والتضامن بين المواطنين والمجالات الترابية والأجيال.
توجيه الاقتصاد لخدمة المجتمع والمصلحة العامة
وفي ما يتعلق بالاختيارات الاقتصادية، أكد رئيس فريق الأصالة والمعاصرة أن السوق لا ينبغي أن ينفرد بتحديد أولويات المجتمع، كما لا يجوز أن تتحول المصالح الفردية أو الفئوية إلى سلطة تعلو على المصلحة العامة.
واعتبر أن السوق أداة للإنتاج والتبادل، لكنه لا يمكن أن يحل محل الاختيار الديمقراطي أو مسؤولية الدولة في ضمان الحقوق الأساسية للمواطنين. وأبرز أن السيادة الوطنية تقتضي تمكين المؤسسات، عبر الآليات الديمقراطية، من توجيه الاختيارات الاقتصادية الكبرى نحو خدمة المصلحة العامة.
وأضاف أن ذلك يستلزم توظيف الفائض الاقتصادي، من خلال الاستثمار المنتج والجباية العادلة والإنفاق العمومي الفعال، في تمويل التعليم والصحة والسكن والبنيات الأساسية وحماية البيئة.
وشدد على ضرورة بناء اقتصاد يكون فيه رأس المال في خدمة الإنتاج، والإنتاج في خدمة المجتمع، والعمل أساسا للكرامة الإنسانية، مع ضمان المنافسة العادلة ومنع الاحتكار والريع، وجعل الثروة المنتجة رافعة للتنمية المشتركة.
وبحسب المداخلة، فإن الديمقراطية الاجتماعية تقوم على الجمع بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين إنتاج الثروة والتوزيع المنصف لثمارها، وبين حقوق الفرد ومسؤوليته تجاه المجتمع.
دولة اجتماعية تنتج الفرص ولا تكتفي بالدعم
وأكد صابري أن الرؤية الاجتماعية ينبغي أن تترجم إلى نموذج للدولة المتضامنة يجعل الإنسان والعمل والإنتاج والعدالة الاجتماعية مرتكزات متكاملة، محذرا من نمو اقتصادي لا يخلق فرص الشغل، أو استثمار لا يسهم في تقليص الفوارق، أو حماية اجتماعية لا تضمن الكرامة، أو خدمات عمومية يتوسع نطاقها دون تحسن جودتها.
وأوضح أن الدولة الاجتماعية المنشودة ليست دولة تكتفي بتوزيع الإعانات، بل دولة تنتج الفرص وتصون الكرامة وتفتح أمام المواطنين أبواب الارتقاء الاجتماعي.
ويقتضي هذا التصور، وفق المتحدث، جعل المدرسة العمومية أداة لتكافؤ الفرص، والصحة حقا مضمونا بخدمات ذات جودة، والسكن اللائق والبيئة السليمة جزءا من شروط الكرامة الإنسانية، مع ضمان استفادة مختلف المجالات الترابية، ولا سيما العالم القروي والمناطق الأقل حظا، من ثمار التنمية.
كما دعا إلى تكامل الحماية الاجتماعية مع سياسات فعالة في التعليم والتكوين والتشغيل والاستثمار، بما يضمن حماية الأسر من الفقر والهشاشة، دون أن يتحول الدعم إلى بديل دائم عن فرص الاندماج الاقتصادي بالنسبة إلى القادرين على العمل.
واعتبر أن نجاح الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المستفيدين من برامج الدعم، بل أيضا بعدد المواطنين الذين تمكنوا من تحقيق الاستقلال الاقتصادي والاندماج في النشاط الإنتاجي.
تعاقد مجتمعي جديد لإعادة بناء الثقة
وفي محور آخر، دعا رئيس الفريق إلى تأسيس تعاقد مجتمعي جديد يقوم على التوازن بين الحقوق والواجبات، والتضامن والمسؤولية، والحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
ويقوم هذا التعاقد، بحسب المداخلة، على اضطلاع الدولة بمسؤولية ضمان الحقوق والخدمات الأساسية، ومساهمة المقاولة في خلق الثروة وفرص الشغل، وانخراط المواطن في التنمية والاستفادة من نتائجها، إلى جانب اعتبار الشركاء الاجتماعيين أطرافا أساسية في بناء التوازنات الاقتصادية والاجتماعية.
وشدد صابري على أن نجاح هذا التعاقد يظل رهينا بإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، مؤكدا أن الثقة السياسية لا تفرض بالقانون، ولا تتحقق بمجرد الخطاب أو تغيير الأشخاص، وإنما تبنى بالوفاء بالالتزامات ووضوح المسؤوليات وفعالية المؤسسات وإخضاع السياسات العمومية للتقييم والمحاسبة.
وفي هذا السياق، اعتبر أن رفع المشاركة الانتخابية لا يتحقق فقط من خلال حملات التعبئة السابقة للاقتراع، بل يتطلب إقناع المواطنين، خلال السنوات الفاصلة بين الاستحقاقات، بأن أصواتهم تؤثر في القرار العمومي.
كما شدد على أهمية إشراك الشباب في الحياة الحزبية، ليس فقط من خلال الانخراط التنظيمي، بل عبر تمكينهم من فضاءات لإنتاج الأفكار والتأثير في القرار.
أغلبية برلمانية تساند الحكومة دون أن تذوب فيها
وفي ما يتعلق بالعلاقة بين الحكومة والأغلبية البرلمانية، أكد صابري أن الحكومة السياسية القوية لا تحتاج إلى أغلبية صامتة يقتصر دورها على التصويت والمصادقة، مشددا على أن الأغلبية البرلمانية ليست مجرد امتداد تنفيذي للحكومة، بل مؤسسة تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع وتمارس اختصاصاتها وفق الدستور.
وأوضح أن الانتماء إلى الأغلبية لا يعني التخلي عن استقلالية المؤسسة التشريعية، كما أن مساندة الحكومة لا تعني الامتناع عن مناقشة اختياراتها أو مساءلتها أو تقييم سياساتها.
ودعا إلى أغلبية برلمانية تساند الحكومة وتدعم الإصلاحات، لكنها تناقش تفاصيلها وتتحمل مسؤولية الاستقرار السياسي، مع ممارسة اختصاصات التشريع والمراقبة والتقييم.
واعتبر أن العلاقة بين الحكومة وأغلبيتها ينبغي أن تقوم على مسافة مؤسساتية سليمة تحفظ استقلالية البرلمان، دون أن تنفي التضامن السياسي حول البرنامج الحكومي، مؤكدا أن المقصود ليس الخصومة، بل الاحترام المتبادل للاختصاصات.
وأضاف أن قوة الحكومة لا تتحقق بإضعاف البرلمان، بل بوجود مؤسسة تشريعية قوية تمنح العمل الحكومي عمقا ديمقراطيا ومصداقية مؤسساتية.
ثلاثة إصلاحات لتعزيز النزاهة والشفافية
وفي محور الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، أكد صابري أن بناء الدولة الاجتماعية لا يرتبط فقط بحجم الموارد المالية المخصصة للسياسات الاجتماعية، بل كذلك بقدرة المؤسسات على ضمان النزاهة والشفافية والنجاعة وحماية المال العام.
وأشار إلى أن الفصل الأول من دستور المملكة جعل ربط المسؤولية بالمحاسبة أحد مرتكزات النظام الدستوري المغربي، معتبرا أن التحدي يتمثل في الانتقال بهذا المبدأ من مستوى الإقرار الدستوري إلى مستوى الفعالية التشريعية والمؤسساتية.
وفي هذا الإطار، دعا إلى فتح ورش تشريعي ومؤسساتي يقوم على ثلاثة إصلاحات أساسية:
أولا: استكمال الإطار التشريعي لمكافحة الإثراء غير المشروع. ويقتضي ذلك، وفق المداخلة، وضع مقتضيات جنائية واضحة ودقيقة تحدد الأفعال المجرمة وشروط قيام المسؤولية والعقوبات، مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية وقرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
ثانيا: اعتماد قانون خاص بالوقاية من تضارب المصالح وتدبيره وزجر مخالفاته. ويرمي هذا المقترح إلى تحديد حالات تضارب المصالح، وتنظيم واجبات التصريح والإفصاح، وضبط حالات الامتناع عن المشاركة في اتخاذ القرار، وإقرار آليات للمراقبة والجزاءات المناسبة، بما يحمي القرار العمومي من تأثير المصالح الخاصة.
ثالثا: مراجعة وتحديث منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات. ودعا صابري إلى الانتقال بهذا النظام من الالتزام الشكلي إلى الرقابة الفعلية والتحقق، عبر تطوير آليات المراقبة والتنسيق بين المؤسسات المختصة، والاستفادة من الرقمنة، مع احترام الحقوق الأساسية وحماية المعطيات الشخصية.
وأكد أن هذه الإصلاحات الثلاثة ينبغي أن تشكل منظومة متكاملة للنزاهة والشفافية والمساءلة، مشددا على أن المحاسبة لا تقتصر على العقاب أو إثبات الجرائم والمخالفات المالية، بل تشمل كذلك تقييم أداء المسؤولين، وقياس نتائج السياسات العمومية، وتصحيح الاختلالات، وترتيب المسؤوليات السياسية والإدارية وفق القواعد الدستورية والقانونية.
من مراقبة النفقات إلى تقييم النتائج
وفي سياق توسيع مفهوم المحاسبة، أوضح رئيس الفريق أن سلامة السياسة العمومية من الناحية القانونية لا تعني بالضرورة فعاليتها الاقتصادية والاجتماعية، كما أن صرف الاعتمادات وفق المساطر المعمول بها لا يضمن تلقائيا تحقيق النتائج التي خصصت من أجلها.
ودعا إلى الانتقال من ثقافة تركز على مدى احترام قواعد صرف المال العام إلى مقاربة تطرح أسئلة حول النتائج المحققة، والفئات المستفيدة، ومدى مساهمة الإنفاق العمومي في تقليص الفوارق وتحسين الخدمات وخلق فرص الشغل.
وطالب الحكومة بتقديم أجندة تشريعية واضحة ومحددة زمنيا، خلال السنة الأولى من ولايتها، لاستكمال الإطار القانوني لمكافحة الإثراء غير المشروع، واعتماد قانون خاص بتضارب المصالح، ومراجعة المنظومة القانونية للتصريح الإجباري بالممتلكات.
كما دعا إلى تعزيز فعالية أجهزة الرقابة والتقييم وضمان التنسيق بينها، مع احترام استقلاليتها واختصاصاتها الدستورية والقانونية.
وخلص إلى أن العدالة الاجتماعية والحكامة الجيدة وجهان لمشروع مجتمعي واحد، وأن بناء دولة اجتماعية متضامنة يقتضي حماية المال العام وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبارهما شرطين أساسيين لترسيخ الثقة في المؤسسات.
نحو ديمقراطية تحقق النتائج خلال الولاية 2026-2031
وفي ختام مداخلته، أكد صابري أن المرحلة السياسية الجديدة تضع مختلف المؤسسات أمام مسؤولية تحويل الشرعية الانتخابية إلى نتائج سياسية واقتصادية واجتماعية ملموسة، تستجيب لانتظارات المواطنين وتنعكس على ظروف عيشهم.
وشدد على أن التصور الذي يدافع عنه فريق الأصالة والمعاصرة يقوم على ديمقراطية يكون فيها لصوت المواطن أثر، وللبرنامج السياسي معنى، وللمسؤولية الحكومية حساب، وللبرلمان دور، وللعدالة الاجتماعية نتائج.
كما دعا إلى دولة اجتماعية تحمي المحتاج، وتمكن القادر، وتنصف المجتهد، وتضمن تكافؤ الفرص، وتعتبر المجتمع مصدر قوتها والعمل أساس إنتاجها، والتعدد الثقافي والاجتماعي مصدر غناها، و«تمغربيت» المشترك الجامع بين أبنائها.
وأكد أن الاستثمار والإنتاج ينبغي أن يكونا وسيلتين لخدمة المجتمع، وأن العدالة الاجتماعية والتضامن ضمانتين لوحدته واستقراره، فيما تشكل النزاهة والشفافية والمحاسبة شروطا لنجاح السياسات العمومية.
واعتبر أن الديمقراطية الاجتماعية ليست مجرد عنوان سياسي للمرحلة، بل تصور للعلاقة بين الدولة والمجتمع يقوم على الثقة والمسؤولية والحقوق والواجبات والحرية والتضامن.
وختم بالتأكيد على ضرورة الانتقال من ديمقراطية تمنح الشرعية إلى ديمقراطية تجدد الثقة من خلال النتائج، ومن دولة تعالج آثار الهشاشة إلى دولة تخلق شروط تجاوزها، ومن اقتصاد قد تتركز ثماره في أيدي قلة إلى اقتصاد تتسع فيه فرص الإنتاج والاستفادة والارتقاء.
وذلك، بحسب المداخلة، هو جوهر التعاقد المجتمعي الجديد والأفق السياسي الذي ينبغي أن يؤطر مشروع الدولة الاجتماعية المتضامنة خلال الولاية الحكومية 2026-2031.
