اقتصاد

تكريم مستحق لـ SRM سوس ماسة… حين تتحول خدمة الماء والكهرباء والتطهير إلى رافعة للسيادة البيئية والتنمية المستدامة

اقتصاد

في لحظة أكاديمية ذات دلالة عميقة، حظيت الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس ماسة بتكريم مستحق خلال أشغال اللقاء الدولي المنعقد بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأيت ملول، من طرف ماستر قوانين البيئة والتنمية المستدامة، اعترافا بالدور النوعي الذي تضطلع به المؤسسة في تدبير خدمات الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل، وبإسهامها المتصاعد في ترسيخ نموذج جهوي جديد للحكامة البيئية والتنمية الترابية المستدامة.

ولم يكن هذا التكريم مجرد التفاتة بروتوكولية عابرة، بل جاء تتويجا لمسار مؤسساتي متقدم جعل من الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس ماسة فاعلا استراتيجيا في قلب التحولات الكبرى التي تعرفها الجهة، خاصة في ظل ما تفرضه التغيرات المناخية، وندرة المياه، والضغط المتزايد على الموارد الطبيعية، من تحديات غير مسبوقة تستوجب حلولا مندمجة، ناجعة، ومستدامة.

لقد أبانت هذه المؤسسة، منذ انطلاقها في 15 أكتوبر 2024، عن قدرة واضحة على تجاوز منطق التدبير القطاعي المجزأ، الذي ظل لسنوات طويلة يفرز تشتتا في المسؤوليات وصعوبات في التنسيق وتفاوتا في جودة الخدمات، لتنتقل إلى نموذج أكثر تماسكا يقوم على تجميع خدمات الماء والكهرباء والتطهير السائل ضمن رؤية مؤسساتية موحدة، قادرة على توحيد القرار، وتكامل البرامج الاستثمارية، وتحقيق الالتقائية بين الأبعاد التقنية والبيئية والتنموية.

Image

وتبرز أهمية هذا النموذج، ليس فقط في ضمان استمرارية المرافق العمومية الأساسية لفائدة الساكنة، ولكن أيضا في كونه يكرس توجها حديثا في الحكامة الترابية، يجعل من حماية الموارد الطبيعية وتحسين جودة العيش وترشيد الاستهلاك ركائز مركزية في السياسات العمومية. فداخل جهة تضم ستة أقاليم، وتغطي حوالي 175 جماعة ويقطنها أزيد من 3 ملايين نسمة، تشتغل الشركة على جبهة معقدة تتقاطع فيها رهانات الخدمة العمومية مع تحديات البيئة والاستدامة والعدالة المجالية.

وفي صلب هذا التحول، يظل الماء عنوانا كبيرا لنجاعة التدبير الجديد. فالمؤسسة تعتمد نظاما صارما لمراقبة جودة المياه عبر مختبر متخصص يسهر على تتبع الخصائص الفيزيائية والكيميائية والميكروبيولوجية للمياه على امتداد شبكة التوزيع، بما يضمن سلامة المياه واحترام المعايير الصحية والتنظيمية، ويوفر آلية إنذار مبكر تسمح بالتدخل السريع عند تسجيل أي اختلال محتمل. وهو ما يجعل من هذا التتبع العلمي أداة لحماية الصحة العامة، كما يجعله كذلك درعا وقائيا في منطقة تواجه ضغطا مائيا متزايدا بفعل توالي سنوات الجفاف والتقلبات المناخية.

Image

وفي بعد بيئي أكثر عمقا، برزت الشركة كفاعل محوري في معالجة المياه العادمة وإعادة استعمالها، من خلال الإشراف على محطات رئيسية، من بينها محطة المزار التي تعالج عشرات الآلاف من الأمتار المكعبة يوميا، ومحطة أورير التي تعتمد تقنيات متقدمة في المعالجة. وتندرج هذه الدينامية ضمن توجه استراتيجي يراهن على إعادة استخدام المياه المعالجة في سقي المساحات الخضراء والملاعب والفضاءات السياحية بأكادير الكبرى وتغازوت، بما يخفف الضغط على الموارد الطبيعية ويحد من استنزاف المياه الصالحة للشرب في استعمالات يمكن أن تؤمنها بدائل مستدامة.

ولم تقف جهود المؤسسة عند هذا الحد، بل انخرطت أيضا في مقاربة الاقتصاد الدائري، عبر تثمين الموارد المتاحة، وتحسين مردودية الشبكات، ورفع النجاعة الطاقية لمحطات الضخ والمعالجة، وتقليص الهدر والتسربات، بما يعكس وعيا متقدما بضرورة الانتقال من التدبير الكلاسيكي للخدمات إلى تدبير بيئي ذكي يوازن بين متطلبات الحاضر وحقوق الأجيال القادمة.

وفي زمن أصبحت فيه البصمة الكربونية مؤشرا حاسما في تقييم أداء المؤسسات، سجلت الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس ماسة بدورها خطوات لافتة في هذا المجال، من خلال تبني التحول الرقمي، وتقليص استعمال الورق، وتحسين منظومة الصيانة والتنقلات المهنية، وتعزيز الكفاءة الطاقية للبنيات التحتية، وهي إجراءات أفضت إلى انخفاض ملحوظ في البصمة الكربونية خلال فترة وجيزة، بما يعكس جدية المؤسسة في جعل الانتقال البيئي خيارا عمليا لا مجرد شعار.

وتعزز هذا المسار بحصول الشركة على ثلاث شهادات مرجعية دولية في مجالات الجودة والإدارة البيئية والصحة والسلامة المهنية، وهو ما يؤكد أن المؤسسة لا تشتغل بمنطق التدبير اليومي فقط، بل وفق رؤية تنظيمية تستحضر المعايير الدولية وتربط بين جودة الخدمة وحماية البيئة وتدبير المخاطر المهنية والتقنية.

إن تكريم الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس ماسة في هذا اللقاء الدولي لا يكرم مؤسسة تدبر شبكات الماء والكهرباء والتطهير فحسب، بل يحتفي بتجربة جهوية واعدة تسعى إلى إعادة تعريف مفهوم الخدمة العمومية في زمن التحولات المناخية الكبرى. تجربة تجعل من المؤسسة العمومية فاعلا في الأمن المائي، وشريكا في الانتقال البيئي، ومحركا للتنمية المستدامة داخل مجال ترابي يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى حلول مبتكرة وقرارات شجاعة ورؤية استباقية.

هكذا، تؤكد الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس ماسة أنها ليست مجرد جهاز تقني لتصريف خدمات أساسية، بل ركيزة من ركائز المستقبل البيئي للجهة، وعنوانا لتحول مؤسساتي يربط بين الحكامة والنجاعة والاستدامة. ومن قلب أيت ملول، جاء هذا التكريم ليعلن بوضوح أن المؤسسات التي تنجح في حماية الماء والطاقة والبيئة، هي نفسها المؤسسات التي تستحق أن توضع في صدارة نماذج التنمية الجديدة بالمغرب.

ImageImage

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

CONGTOGEL