حلّت بمدينة العيون، كبرى حواضر الأقاليم الجنوبية، الوفود البرلمانية المشاركة في الدورة العاشرة للجمعية العامة لشبكة البرلمانيين الأفارقة لتقييم التنمية، وذلك يوم 20 نونبر 2025، في حدث قاري بارز يعكس مكانة المغرب المتنامية كقطب للتنمية وتبادل الخبرات داخل إفريقيا.
واستقبل رئيس مجلس المستشارين، السيد محمد ولد الرشيد، الوفود القادمة من 18 دولة إفريقية والمكوّنة من أزيد من 120 برلمانياً، في ثاني احتضان للمغرب لأشغال الشبكة بعد دورة الرباط قبل سنتين. وقد شكّل وصول الوفود إلى مطار الحسن الأول بالعيون مناسبة لإبراز التحولات التنموية العميقة التي تشهدها الجهة، والتي وقفت عليها الوفود خلال زيارات ميدانية مكثفة.
مشاريع استراتيجية تبهر الوفود الإفريقية: من تحلية مياه البحر إلى عملاق الفوسفاط
خلال جولة تفقدية لمحطة تحلية مياه البحر بالعيون، وقف البرلمانيون الأفارقة على أشغال التوسعة التي ستربط المحطة الحالية بمنشأة بحرية حديثة للسحب المباشر للمياه، في مشروع يُعتبر أحد أكثر الاستثمارات الحيوية لمواجهة تحديات ندرة المياه في المنطقة. وقد ثمّن أعضاء الشبكة هذا التوجه، معتبرين أن المغرب “كان سبّاقاً في معالجة آثار التغيرات المناخية واعتماد الطاقات المتجددة”.
كما شملت الزيارات منشآت مجموعة “فوسبوكراع”، التي تُعد رافعة اقتصادية واجتماعية كبرى في الجهة، إضافة إلى مشاريع البنى التحتية الحديثة التي تؤكد حجم التحول الاقتصادي المتسارع في الأقاليم الجنوبية.
قطاع الصحة والتعليم العالي… رافعتان لصناعة الكفاءات الإفريقية
قدمت مدينة العيون للوفود الإفريقية نماذج بارزة من الاستثمار في الرأسمال البشري، من بينها الصرح الاستشفائي الجامعي الذي يمتد على مساحة 18 هكتار، ويتسع لـ 500 سرير و19 غرفة للعمليات، في مشروع يُتوقّع أن يُحدث طفرة في الخدمات الصحية بالجهة.
كما أثارت كلية الطب والصيدلة بالعيون إعجاب المشاركين بما تتوفر عليه من مختبرات متقدمة وقاعات محاكاة حديثة. وأكد عميد الكلية استعدادها لاستقبال مزيد من الطلبة الأفارقة جنوب الصحراء، في إطار تعزيز دور المغرب كبوابة علمية نحو القارة.
وفي السياق ذاته، زار الوفد مدينة المهن والكفاءات التي بلغت عامها الثالث بعد افتتاحها، وتضم 46 شعبة تكوينية، في انسجام مع توجه المملكة لجعل التكوين المهني دعامة أساسية للنموذج التنموي الجديد.
افتتاح رسمي رفيع المستوى… ورهانات كبرى لتقييم السياسات العمومية في إفريقيا
انطلقت يوم الجمعة 21 نونبر 2025 أشغال الدورة العاشرة للجمعية العامة لشبكة البرلمانيين الأفارقة لتقييم التنمية، بمكتبة محمد السادس بالعيون، بحضور وزراء ومسؤولين وبرلمانيين من مختلف دول القارة.
وأكد رئيس مجلس المستشارين، السيد محمد ولد الرشيد، في كلمته الافتتاحية، أن هذا الحضور الإفريقي الوازن “يعكس الإرادة الصادقة لتعزيز الحكامة والتنمية المستدامة”، مشدداً على أن تقييم التنمية أصبح ضرورة استراتيجية لترشيد القرار العمومي.
من جانبه، أبرز رئيس الشبكة، السيد جيريمي أدوماهو، أن الشبكة التي تضم أكثر من 700 برلماني من 29 مؤسسة تشريعية “تحولت بعد 11 عاماً من العمل إلى أسرة إفريقية واسعة تسعى إلى الارتقاء بجودة السياسات العمومية”.
كما شددت السيدة زينب العدوي، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، على أن تجربة المغرب في التفاعل بين الأجهزة العليا للرقابة والسلطة التشريعية “تشكل نموذجاً يحتذى به على المستوى الإفريقي”.
النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية يستأثر بالاهتمام
استعرض وزير التجهيز والماء، السيد نزار بركة، التقدم المحرز في تنزيل النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، مؤكداً أن نسبة الإنجاز تجاوزت 90% بعد عشر سنوات من إطلاقه.
وأشار الوزير إلى مشاريع بنيوية كبرى، أبرزها:
الطريق السريع تزنيت–الداخلة على مسافة 1055 كلم
ميناء الداخلة الأطلسي الذي بلغت أشغال إنجازه 50%
وهي مشاريع تعزز الربط الترابي وتكرّس البعد الإفريقي للمغرب.
تتويج مغربي: انتخاب عبد الإله حفظي رئيساً للشبكة
شهدت أشغال الجمعية انتخاب السيد عبد الإله حفظي، عضو مجلس المستشارين، رئيساً لشبكة البرلمانيين الأفارقة لتقييم التنمية لولاية تمتد إلى سنة 2027. وأكد الرئيس الجديد عزمه على “توطيد الشراكة الإفريقية وتعزيز التعاون جنوب–جنوب وفق التوجيهات الملكية السامية”.
كما تم توقيع اتفاقية تعاون بين مجلس المستشارين وشبكة “أبنود”، بهدف تعزيز ثقافة التقييم داخل البرلمانات الإفريقية وتقوية قدرات أطرها الإدارية.
إعلان العيون… خارطة طريق جديدة للحكامة والتنمية في إفريقيا
أسدل الستار على أشغال هذه الدورة بإصدار إعلان العيون تحت شعار: “التقييم البرلماني رافعة للحكامة التنموية في إفريقيا”، والذي أكد فيه المشاركون:
أهمية التقييم في تعزيز الديمقراطية والشفافية والمحاسبة
إحداث المرصد البرلماني الإفريقي للتقييم
اعتماد الميثاق الإفريقي للتقييم البرلماني
الدعوة إلى إرساء هياكل وطنية للتقييم داخل برلمانات الدول الأعضاء
كما أشاد الإعلان باحتضان مدينة العيون لهذا الحدث القاري، باعتبارها رمزاً للدينامية التنموية المتواصلة في الأقاليم الجنوبية للمملكة.
بهذه الدورة العاشرة التي احتضنتها مدينة العيون، يكون المغرب قد رسّخ موقعه كفاعل محوري في مسارات التنمية والحكامة داخل القارة الإفريقية، مقدماً نموذجاً عملياً في الاستثمار، وتقييم السياسات العمومية، وتعزيز التعاون جنوب–جنوب. وهي محطة تؤكد مرة أخرى أن الأقاليم الجنوبية ليست فقط مجالاً للتنمية المتسارعة، بل فضاءً متجدداً للتعاون الإفريقي المشترك.






















