
هيئة المتصرفين المشتركة بين الوزارات تُبحر دون مجاديف في يمِّ نظام أساسي مرفوض.
"أي تجاهل لمطالبها العادلة، هو إضعاف مباشر للإدارة العمومية"-عبد اللطيف أفلا

يبدو أن هيئة المتصرفين المشتركة بين الوزارات باختلاف درجات ومهام أطرها، عليها مواصلة الإبحار دون مجداف، واعتماد أذرعها وسواعدها للتحكم في مجرى النهر، في انتظار تسوية ملفاتها العالقة لدى القطاع الوزاري المعني، عبر مراجعة النظام الأساسي.
أوضاع هيئة المتصرفين المشتركة بين الوزارات، ملف اجتماعي، شكل ولا يزال محور اهتمام نواب المعارضة النيابية والنقابات، حيث تقدم النائب البرلماني الأستاذ أحمد العبادي، عن فريق التقدم والاشتراكية بسؤال شفوي حول أوضاع الهيئة، إلى الوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، وذلك خلال جلسة الأسئلة الشفوية الأسبوعية ليوم 26 يناير 2026.
وكما جاء في النص الكتابي للسؤال الشفوي الذي توصلت جريدتنا الالكترونية MCG24 بنسخة منه، فقد أشار البرلماني العبادي في مستهل كلمته الموجهة للسيدة الوزيرة إلى أن كل التقارير الرسمية، منذ سنوات، تدعو إلى مراجعة عميقة وشاملة لنظام الوظيفة العمومية، في اتجاه المساواة في الوضعيات المتماثلة، وإقرار تكافؤ الفرص، والتحفيز على أساس الكفاءة المهنية، وتحسين المسارات المهنية، وتأسف المتحدث على عدم استطاعة الحكومة إصلاح الوظيفة العمومية بشكل شمولي عادل، مضيفا بأنها تعتمد مقاربة خاطئة في التفاعل مع احتجاجات المتصرفين.

“للأسف، هذه الحكومة، أيضاً، لم تستطع إخراج إصلاحٍ شمولي وعادل للوظيفة العمومية.. وبالمقابل تتعامل سياسيا مع الموضوع بشكلٍ تجزيئي وانتقائي وتحت الضغط، حسب حدة احتجاج كل فئة.. وليس حسب منطق الاستحقاق المطلبي.. وهذه المقاربة الحكومية الخاطئة، من الطبيعي أنها أفرزت أنظمة أساسية متباينة.. تُعمِّق التفاوتات واللاعدالة واللامساواة، بالنسبة للموظفين العموميين، لا سيما في الأجور والتعويضات، حتى في الحالات التي نكون فيها أمام وضعياتٍ بنفس الديبلومات، وبنفس أعباء المهام المهنية…. وهذا أمرٌ يجب ألا يستمر إلى الأبد، ويتطلب شجاعة سياسية وحوار اجتماعي حقيقي مع الفرقاء الاجتماعيين.”
وحول الأوضاع المهنية الغير مقبولة لهيئة المتصرفين المشتركة بين الوزارات، علق السيد العبادي بأنها فئة من الفئات الأكثر تضررًا من التمييز والانتقائية، ومن التسويف والتماطل الحكومي بدءا بأجورها المجمدة.
“.. هذه الفئة تشتغل اليوم، في ظروف نفسية متأزمة، بسبب الغُــبْن والاقصاء والحيف المهني والمادي والاعتباري، حيث ظلت مطالبها معلقَّةً لعددٍ طويل من السنوات.. أجور هذه الفئة من الموظفين العموميين تعرف الجمود المزمن، على عكس بعض الفئات الأخرى المماثلة، ولو أن جميع الأجراء والموظفين والطبقة الوسطى متضررون بفعل الغلاء في عهد هذه الحكومة، وأيضاً، على عكس الوعود الكثيرة والمتكررة التي تمَّ تقديمها إلى هذه الفئة التي لا تزال تنتظر وفاء الحكومة، لا سيما بالنظر إلى استفادة هيئات مهنية أخرى، ذات مسارات تكوينية مماثلة، من زيادات خلال السنوات العشر الأخيرة، سواء عبر رفع الرواتب الأساسية أو من خلال التعويضات المختلفة ”
وطالب فريق التقدم والاشتراكية الوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، بتوضيح الأسباب الكامنة وراء هذا التمييز غير المبرر في حق هيئة المتصرفين المشتركة بين الوزارات، كما طالبها بكيفية تحسين الوضعية المالية والإدارية والاعتبارية لهذه الفئة، وذلك بالرفع من الأجور مقارنة مع الفئات المماثلة، ومعالجة إشكاليات الترقي وتحديد المهام، وكذلك من حيثُ التكوين والتكوين المستمر.
وختم النائب البرلماني أحمد العبادي سؤاله الشفوي، بمساءلة الوزيرة عن سُبُل إنصاف هذه الفئة، التي لا تزال للأسف حلقَة ضعيفة، بحسب تعبير المتحدث، ومطالبا ب:
“إحداث وتفعيل درجات جديدة، وتحسين النظام الأساسي، عبر حوار اجتماعي حقيقي، بعيداً عن المقاربات المحاسباتية، التي لا تنظر للمشكل إلا من زاوية الكُلفة المالية، التي تظل مرتبطة بعدد المعنيين، اللذين ليس من مسؤوليتهم أن يتواجدوا ضمن هيئة عددُها كبير نسبيا.”

إحاطة بالملف من رؤية نقابية، واقترابا أكثر من قطاعاتها بغرض معرفي إخباري، حاور موقعنا الالكتروني MCG24، نائب الأمين العام للاتحاد الوطني للشغل الأستاذ عبد الاله دحمان، والذي قربنا أكثر من الهيئة قبل أوضاعها المثيرة للجدل.
“هيئة المتصرفين المشتركة بين الوزارات تضم متصرفين يشتغلون في قطاعات مختلفة، أهمها، قطاعات اجتماعية وخدماتية، في التربية الوطنية، والصحة، والشبيبة والرياضة، والتعاون الوطني وقطاعات إدارية ومالية، حيث يتواجدون في المالية، وفي الاقتصاد، والداخلية، وقطاع العدل وقطاعات تقنية وتنموية من قبيل التجهيز، الفلاحة، الماء، البيئة، كما يتواجدون بمؤسسات عمومية وجماعات ترابية، أما من حيث خصوصية متصرفي التربية الوطنية، نؤكد أنها تتجسد في حجمهم العددي الكبير مقارنة بباقي القطاعات.”
وحول مكامن الضرر الذي يعاني منه متصرفو الهيئة، فقد أخبرنا السيد عبد الإله دحمان بأن المكامن تبدأ بتكليفهم بمهام متعددة كالتخطيط، وتدبير الموارد البشرية، والشؤون القانونية، والمالية، والتربوية وغيرها، وذلك كله دون توصيف دقيق أو تعويض، ناهيك عن اشتغالهم في بيئة متوترة أصلا (احتجاجات تعليمية، ضغط الإصلاحات، كثافة الملفات)، زد على ذلك يقول النقابي دحمان، حرمانهم من مسارات مهنية واضحة مقارنة بأطر أخرى داخل نفس القطاع، لذلك فهم الأكثر تضررا موضوعيا، والأكثر حضورا نضاليا بحكم الوعي الجماعي وتراكم الإحساس بالحيف.
وحدد ضيفنا بشكل رئيس، أربعة مستويات من معاناة هذه الفئة، الإقصاء المهني، الحيف الإداري، الإقصاء المالي، الحيف الاعتباري:
1. الإقصاء المهني
إسناد مهام عليا للمتصرفين دون تمكينهم من صفة أو تعويض مقابل.
تهميشهم في مناصب المسؤولية لفائدة أطر أخرى.
غياب توصيف وظيفي مهني واضح لمهام المتصرف.
2. الحيف الإداري
بطء شديد في الترقي مقارنة بهيئات مماثلة.
غياب إطار خاص بالمتصرفين داخل القطاعات.
تعطيل مبدأ تكافؤ الفرص في التعيينات.
3. الإقصاء المالي
نظام تعويضات ضعيف وغير منصف.
فجوة كبيرة في الأجور مقارنة بأطر تؤدي مهاما أقل أو موازية.
غياب تعويض عن المسؤولية أو المردودية.
4. الحيف الاعتباري
تغييب المتصرفين من الحوار القطاعي.
اختزال دورهم في “موظفين إداريين” رغم مركزية أدوارهم.
وفي استفسارنا عن النظام الأساسي المعدل، ودافع رفضه ومواصلة الاحتجاجات ضده، خبّرنا النقابي عبد الإله دحمان، بأنه رغم تعديل النظام الأساسي الخاص بالهيئة، إلا أن المتصرفين يعتبرونه تعديلا شكليا أكثر منه إصلاحا جوهريا.
وغوصا في النقاط التي اعتبرها المحتجون نواقص النظام الأساسي، تابع ضيفنا قائلا:
“أبرز النواقص، هي أن هذه الفئة، لم تتمكن من تحسين مسارها المهني في ظل هذا النظام، بل إن اعادة معالجة مسارها، عرف تراجعات خطيرة خصوصا فيما يتعلق بالدمج في أطر جديدة دون تحصين المكتسبات.. فعلا هناك تحسين، لكنه محدود وغير كاف ناهيك عن موضوع الترقي والتعويضات.”
وواصل دحمان ” تم الإبقاء على نفس الفلسفة القديمة، متصرف بلا سلطة ولا امتيازات، وتم تجاهل مبدأ العدالة الأجرية داخل الوظيفة العمومية، وهو ما حذر منه المتصرفون قبل سنة، بحيث أن أي تعديل لا يمس جوهر الاختلال، وأي إصلاح تجزيئي دون رؤية شمولية لن يقدم شيئا لهم .. وبالتالي فالمعالجة كانت عبارة عن مقاربة فوقية لا تشرك المعنيين. وهو ما تأكد للأسف بعد صدور التعديل ”
لفت ضيفنا النقابي الانتباه إلى أمر هام، وهو أنه لا يمكن الفصل بين المطالب وتحديد أولوية بعضها عن البعض، مشيرا أن مطالب هيئة المتصرفين، مطالب متماسكة ولا يمكن الفصل بينها وهي متعددة، إلا أنه لخصها لنا كالتالي:
“إصلاح جذري لا ترقيعي للنظام الأساسي.
إحداث درجة جديدة (خارج السلم أو درجة ممتازة).
مراجعة نظام التعويضات بما يراعي المسؤولية الفعلية.
تسريع وتيرة الترقي وضمان الإنصاف بين الأطر.
تمكين المتصرفين من الولوج الحقيقي لمناصب المسؤولية.
الاعتراف الاعتباري بدورهم في الحكامة العمومية”
انتقد المتحدث لموقعنا الإخباري ما وصفه بالتمييز في تعامل الحكومة مع الملف، حيث صرح بأن ثمة تجزيئا خلال الاستجابة لفئات دون أخرى داخل نفس الإدارة، وهناك انتقائية يتم فيها تحسين أوضاع أطر بعينها وإقصاء المتصرفين، ثم تسويفا من خلال فتح حوارات دون سقف زمني أو التزام سياسي، هذا إضافة إلى غياب العدالة الأفقية بين الهيئات المتقاربة في المهام والمؤهلات، وهذا هو الأسلوب الذي عمّق الإحساس بالحيف بدل امتصاص الاحتقان، يقول دحمان.
ويعتبر الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، الذي يدافع عن وحدة الهيئة ويرفض أي حلول فئوية مجزأة، بأن ملف المتصرفين ملف عادل ومركزي في معركة الكرامة والعدالة الوظيفية، ويرى الاتحاد بأن الحل لا يكون إلا بإصلاح شامل.
وأضاف السيد عبد الإله دحمان، بأنه سيتم التنسيق مع ممثل الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب بمجلس المستشارين، الأستاذ خالد السطي، لمزيد من الترافع عن أوضاع هيئة المتصرفين المشتركة بين الوزارات، سعيا لنقله من الشارع إلى المؤسسة التشريعية، كما سبق أن قام به الفريق النيابي لحزب التقدم والاشتراكية خلال مساءلته الأخيرة للقطاع الوزاري المعني.





















