
تمثل العلاقة بين البنك الدولي والدول النامية حقلا خصبا للتحليل السوسيولوجي، حيث تتداخل متغيرات السلطة، بالخبرة، والسيادة الوطنية، بينما في حالة المغرب، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح من خلال شراكة تمتد لعقود، تحمل في طياتها فرصا للتطور والتحديث، وفي الوقت نفسه تطرح تساؤلات جوهرية حول الاستقلالية في اتخاذ القرار، وهيمنة النماذج التنموية الخارجية.
يسعى هذا التحليل إلى تفكيك هذه العلاقة المركبة، انطلاقا من اعتبار البنك الدولي ليس مجرد مؤسسة تمويلية، بل فاعلا سياسيا واجتماعيا يحمل رؤية معينة للعالم، ويوظف خبرته كأداة للتأثير في مسارات التنمية الوطنية، وهذا يحيلنا على إشكالية السلطة والخبرة في العلاقات الدولية للتنمية.
يعد مفهوم التنمية من أكثر المفاهيم انتشارا وتطورا في العصر الحديث، حيث انتقل من مجرد التركيز على الزيادات الرقمية في الإنتاج إلى عملية شاملة تستهدف الارتقاء بالإنسان والمجتمع، ويمكن تلخيص هذا المفهوم بأنه عملية تغيير كلي وشامل ومخطط تستهدف الانتقال بالمجتمع إلى وضع أفضل بما يتوافق مع احتياجاته وإمكانياته الاقتصادية والاجتماعية والفكرية.
يمارس البنك الدولي سلطته بشكل أساسي من خلال إنتاجه للخطاب والمعرفة حول التنمية، فمن خلال تقاريره التشخيصية الدورية، لا يكتفي البنك بتقديم بيانات محايدة، بل يقوم ببناء حقيقة حول واقع البلاد، وتحديد المشكلات، واقتراح الحلول. وبالنسبة لحالة المغرب تظهر التقارير الأخيرة، مثل التقرير الصادر في نونبر 2025 حول الوظائف والنساء من خلال المواهب غير المستغلة والنمو غير المحقق، وكيف يركز البنك على المعيقات الهيكلية للمشاركة الاقتصادية للنساء؟ محددا سبعة عوامل رئيسية تفسر استمرار هذا الخلل، من بينها تدني المشاركة التاريخي، واستمرار النموذج الأبوي، والفجوة بين التحصيل العلمي والتشغيل، هذا التشخيص الذي يستند إلى أدوات اقتصادية واجتماعية، يفرض نفسه كمرجعية أساسية في النقاش العام حول سياسات التشغيل والحماية الاجتماعية.
وهكذا من خلال الخبرة كأداة للتشخيص والتوجيه وهيمنة النموذج المعرفي سوف نتطرق أولا إلى مفهوم الخبير ومن هم الخبراء؟ وكيف يكتسبون شرعيتهم؟ وكيف تشكل معرفتهم المدن؟ ومن يستفيد من هذه المعرفة؟ ومن يتم استبعاده؟ وهل هناك إشكالية في التعريف؟
مفهوم الخبير في التنمية ليس مجرد مهندس أو مخطط بل يتسع المفهوم ليشمل :
– الخبراء التقليديون (المؤسساتيون) وهم المهندسون المعماريون، مخططو المدن، المهندسون المدنيون، المساحون، خبراء النقل والبيئة، وهؤلاء يمتلكون شهادات عليا ومعرفة تقنية معترفا بها رسميا.
– الخبراء الجدد (المستشارون) وهم شركات الاستشارات الدولية الكبرى التي تصدر حلولا جاهزة للمدن، مثل مشاريع المدن الذكية، أو خطط التنمية المستدامة، وهؤلاء يمتلكون سلطة معرفية مستمدة من خبراتهم العالمية.
– الخبرة المحلية (غير الرسمية) هنا يدخل علم الاجتماع ليطرح سؤالا جوهريا، أليست معرفة السكان المحليين بتفاصيل أحيائهم واحتياجاتها شكلا من أشكال الخبرة ؟ وهذا ما يعرف بـ”الخبرة الدنيوية” أو المعرفة المحلية التي غالبا ما يتم تهميشها مقابل الخبرة التقنية.
يحدث صراع خفي أو ظاهر بين الخبراء أنفسهم، فخبير البيئة قد يتصادم مع خبير الاقتصاد، والمخطط الحضري قد يختلف مع المهندس المعماري… وهذا الصراع يعكس رؤى مختلفة والخبير في أفضل حالاته يمكنه أن يلعب دور الوسيط أو المترجم والميسر بين رغبات المجتمع وإمكانيات السياسيين والاقتصاديين والمقاولين.
هذه الهيمنة المعرفية تصل إلى درجة إنتاج مؤشرات معيارية عالمية، مثل مؤشر المرأة وأنشطة الأعمال والقانون الذي أظهر تقدما قانونيا للمغرب يفوق دولا مماثلة في الدخل، وهنا لا تكتفي الخبرة بالتشخيص، بل تتحول إلى أداة للمقارنة والتصنيف، مما يضع ضغوطا على الدولة لمواءمة تشريعاتها مع المعايير الدولية. ومع ذلك تشير التحليلات النقدية، مثل تلك الواردة في تقييم مجموعة البنك الدولي (2023)، إلى أن البنك واجه صعوبة في ترجمة تشخيصاته عالية الجودة حول عوائق المشاركة المدنية والاقتصادية للمواطنين مما استلزم تدخلات علمانية فعالة، حيث بقيت جهوده لتعزيز مشاركة المرأة والشباب في سوق العمل متواضعة ومجزأة، مما يكشف هذا التناقض بين قوة التشخيص وضعف التنفيذ عن حدود الخبرة عندما تصطدم بالواقع الاجتماعي والسياسي المعقد.
واستنادا لقراءة في الديناميات السياسية تتجلى إشكالية السيادة في قدرة الدولة على امتلاك زمام سياستها التنموية في المغرب، وتبدو العلاقة مع البنك الدولي أشبه بعملية تفاوض مستمر بين استيعاب التوصيات من جهة، والحفاظ على هامش مناورة سياسي من جهة أخرى، وفي هذا السياق أكد الخطاب الرسمي، الذي ورد في رسالة الملك محمد السادس بمناسبة انعقاد الاجتماعات السنوية للبنك وصندوق النقد بمراكش (أكتوبر 2023)، على نهج متوازن تظل فيه السياسة الاقتصادية في خدمة التنمية البشرية، معتبرا أن الحفاظ على التوازنات الماكرو – اقتصادية يضمن السيادة الاقتصادية والمرونة، هذا الخطاب يستوعب لغة المؤسسات المالية الدولية (الاستقرار، الصلابة) لكنه يعيد تأطيرها في سياق وطني.
وفي نفس السياق المتعلق بضفة الخبراء وهيمنتهم وعلاقاتهم بالسياسة، نجد الخبير كصانع قرار غير منتخب بحيث يمتلك الخبراء سلطة كبيرة لأنهم يترجمون الرغبات السياسية إلى لغة تقنية (خرائط، أرقام، جداول). في كثير من الأحيان، يخفي الخطاب التقني أيديولوجيات سياسية واقتصادية معينة. كما نجدهم في علاقة جدلية مع الدولة في مشاريع التنمية الكبرى، وغالبا ما يتم توظيفهم لتبرير خيارات سياسية مسبقة، على سبيل المثال، قد يستعان بمكتب استشاري دولي لوضع خطة لتطوير منطقة ما، وتأتي توصياته متوافقة مع رغبة الحكومة في جذب الاستثمارات، حتى لو كان ذلك على حساب السكان القدامى، ومن هنا يصبح الخبير أداة للشرعية العلمية لقرار سياسي. كما تعتبر اللغة التقنية أداة للإقصاء بحيث يستخدم الخبراء لغة متخصصة ومصطلحات معقدة مثل (الاستدامة، المرونة، الذكاء ..) تجعل من الصعب على المواطن العادي المشاركة في النقاش، مما يخلق احتكارا للمعرفة، ويبعد العامة عن عملية صنع القرار.
غالبا ما يحمل الخبراء خاصة القادمين من سياقات دولية نماذج نظرية يظنون أنها قابلة للتطبيق في كل مكان (One-size-fits-all) في إطار المعرفة المعيارية مقابل المعرفة السياقية، وتنتقد سوسيولوجيا الخبرة هذه النزعة لأنها تتجاهل الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والتاريخية للمدينة.
من جهة أخرى تكشف الدراسات الأكاديمية عن توتر أعمق، تحليل تأثير المؤسسات المالية الدولية على السيادة الوطنية من خلال حالة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (2005-2025) يظهر ازدواجية التأثير، فبينما ساهمت البرامج المدعومة من البنك في خفض نسبة الفقر من 15.3% إلى 4.8% (2001-2014)، إلا أن تنفيذها من الأعلى إلى الأسفل، واعتمادها على القروض الصغيرة خلق هياكل حوكمة موازية تتجاوز المؤسسات الوطنية، مما أدى إلى تآكل السيادة، وجعل الأولويات المحلية رهينة لأجندات المانحين، من هنا تتحول الخبرة التمويلية إلى أداة لإعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث تفرض شروط معينة (كفاءة، استهداف، حوكمة) قد تتعارض مع المنطق السياسي والاجتماعي المحلي.
كما تقدم التقييمات المستقلة والدراسات التطبيقية من خلال برامج قطاعية بين التقييم العالمي والتجارب المحلية دروسا مهمة حول فعالية تدخلات البنك وحدودها، ويخلص تقييم البرنامج القطري للمغرب (2023) إلى عدة استنتاجات جوهرية :
1- نجح البنك أحيانا في تحقيق تقدم في الإصلاحات من خلال استراتيجية “تبادل الاعتراف مقابل التأثير”، أي استخدام مكانته الدولية لتحفيز الإصلاحات دون فرضها بشكل صارم.
2- أثبتت بيانات المقارنة المعيارية العالمية فعاليتها كأداة لتحفيز الإصلاحات.
3- أظهرت تجربة عمليات “التمويل مقابل النتائج” بأن فعاليتها القصوى تتطلب إشراكا أوسع لأصحاب المصلحة، وتوفير موارد للدعم التقني.
في المجال المحلي، يبرز برنامج دعم تحسين أداء الجماعات (2019-2023) كنموذج واعد للتدخل على المستوى دون الوطني واستهدف البرنامج 103 جماعة تمثل أكثر من 85% من السكان الحضريين، بهدف تعزيز الحكامة الجيدة، وتحسين الخدمات العمومية المحلية من خلال شراكة مع المديرية العامة للجماعات المحلية والوكالة الفرنسية للتنمية. هذا النوع من البرامج يمثل تحولا نحو تدخل أكثر مرونة، يستجيب لاحتياجات محلية محددة، ويشرك فاعلين محليين، مما قد يخفف من حدة التوتر مع السيادة الوطنية.
أما في مجال الحماية الاجتماعية، فيعكس تمويل البنك الأخير (250 مليون دولار في يونيو 2025) دعما للإصلاح الوطني الذي يهدف إلى توسيع نظام الدعم الاجتماعي المباشر، ويركز المشروع على تعزيز قدرات الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، وتحسين وصول الفئات الهشة إلى الخدمات، وتشجيع الإدماج الاقتصادي للنساء والشباب، هنا تظهر الخبرة كداعم لسيادة الدولة من خلال تعزيز قدراتها المؤسسية، بدلا من تجاوزها.
خلاصة القول تكشف الحالة المغربية عن علاقة معقدة مع البنك الدولي، نحو شراكة معاد صياغتها بحيث لا يمكن اختزالها في ثنائية بسيطة للخضوع أو المقاومة، فمن ناحية، استطاع المغرب استثمار خبرة البنك وتمويله، لتحقيق تقدم ملموس في مؤشرات التنمية البشرية والبنية التحتية، ومن ناحية أخرى، يظل التوتر قائما حول شروط الإصلاحات وتأثيرها على السيادة الوطنية والتماسك الاجتماعي.
من منظور سوسيولوجي، يمكن النظر إلى هذه العلاقة كساحة للتفاعل الجدلي بين الحقل التنموي الدولي بمعاييره وتصنيفاته وخبرائه والحقل الوطني ببناه السياسية والاجتماعية وثقافته المحلية، مستقبل هذه الشراكة يتوقف على قدرة الطرفين على تجاوز منطق الهيمنة من جهة، ومنطق الدفاع عن السيادة بمعناها المطلق من جهة أخرى، نحو بناء نموذج تعاوني تحترم فيه الخبرة الدولية خصوصية السياقات المحلية، وتنفتح فيه المؤسسات الوطنية على التعلم من التجارب المقارنة دون فقدان البوصلة الوطنية.
وتأسيسا على المعطيات السابقة فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل الخبرة من أداة للضغط والإملاء إلى وسيلة لتمكين الفاعلين المحليين وتعزيز قدراتهم، مما يجعل السيادة أكثر من مجرد شعار، بل ممارسة يومية في صنع القرار التنموي.
— المصادر
– مجلة L’Economiste. (2025). البنك الدولي/المغرب: نصف المواهب خارج الاقتصاد
– زينودو. (2025). الأثر المتناقض للمؤسسات المالية الدولية على السيادة الوطنية وعدم المساواة: حالة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في المغرب.
– MAP. (2024). عقد الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي في المغرب دليل على التزام المملكة بتعزيز العلاقات الدولية.
– HESPRESS. (2025). البنك الدولي: المغرب يبرز في تقرير المرأة والأعمال والقانون
– HAL Science. (2024). برنامج دعم البنك الدولي لتحسين أداء الجماعات: ما هي آثاره على الجماعات المستهدفة في المغرب؟
– مركز موارد الأعمال وحقوق الإنسان. (2025). المغرب: تقرير حول كيفية إزالة العوائق أمام المشاركة الاقتصادية للمرأة
– فاينانشال أفريك. (2025). المغرب: البنك الدولي يوافق على تمويل بقيمة 250 مليون دولار لدعم إصلاحات الحماية الاجتماعية
– أوراق اقتصادية. (2024). مشاركة مجموعة البنك الدولي في المغرب، السنوات المالية 2011-2021
– مجموعة التقييم المستقلة التابعة للبنك الدولي. (بدون تاريخ). الفصل 5: تعزيز مشاركة المواطنين
– مجموعة البنك الدولي. (بدون تاريخ). التشخيص القطري المنهجي للمملكة المغربية: الحوكمة نحو الكفاءة والإنصاف والتعليم والاستدامة.





















