
ثقة المستهلكين تعرف تحسنًا تدريجيًا، لكن نمو قطاع البيع بالتجزئة لا يزال يواجه ضغوطًا متزايدة. هذا ما كشف عنه تقرير State of Grocery Retail MENA 2026 الصادر عن شركة McKinsey، والذي دعا الفاعلين في القطاع إلى إعادة النظر في نماذجهم الاقتصادية من أجل استعادة دينامية النمو، غير أن هذه المعادلة في المغرب تتجاوز مجرد قضايا الأداء أو تحسين الربحية، إذ إن التوسع السريع للمتاجر الكبرى، خاصة تلك المعتمدة على نموذج الأسعار المنخفضة، يعكس تحولات أعمق داخل السوق المغربية.
ورغم هذا التحديث المتسارع، لا تزال التجارة التقليدية تحافظ على مكانتها داخل المشهد الاقتصادي المغربي. فـ”الحانوت” أو متجر القرب لا يزال جزءًا أساسيًا من العادات الاستهلاكية اليومية للأسر المغربية، وبين توسع سلاسل التوزيع الحديثة واستمرار قوة التجارة التقليدية، يعيش قطاع البيع بالتجزئة في المغرب مرحلة دقيقة، حيث لم يعد التحدي الرئيسي هو النمو فقط، بل كيفية التعايش بين نموذجين اقتصاديين مختلفين.
في المراكز التجارية الكبرى والمتاجر العصرية من جهة، وفي الأزقة الشعبية والأسواق المحلية من جهة أخرى، تتعايش اليوم حقيقتان اقتصاديتان مختلفتان، إذ تعتمد العلامات التجارية الكبرى على سلاسل إمداد منظمة وقوية، واستراتيجيات توسع سريعة، ومنطق قائم على تحسين الكفاءة التشغيلية عبر موارد بشرية مكونة. في المقابل، يواصل تجار القرب لعب دور محوري في الحياة اليومية للمستهلكين.
ووفقًا لتقرير ماكينزي، سجلت التجارة الحديثة في المغرب نموًا بنسبة %4,7 خلال سنة 2024، إلى جانب ارتفاع بنسبة 11% في عدد افتتاح المتاجر الجديدة. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي تعرف نموًا محدودًا نسبيًا، يبرز المغرب كأحد أكثر الأسواق دينامية في هذا المجال.
لكن هذه الأرقام تحتاج إلى قراءة أكثر عمقًا، كما يؤكد الخبراء أن “الأرقام صحيحة، لكن طريقة قراءتها ليست كذلك”، حيث يرون أن المغرب لا يمكن اعتباره سوقًا ناضجًا وصل إلى مرحلة تحسين الأداء، بل هو سوق تقليدي لا يزال في مرحلة التحول نحو النماذج الحديثة. وبالتالي، فإن النمو الحالي لا يعكس هيمنة التوزيع العصري، بل يمثل مرحلة انتقال تدريجية.
ويظهر هذا التحول بشكل واضح من خلال التوسع الجغرافي للقطاع. فقد تجاوز عدد متاجر التوزيع الحديث في المغرب 1,580 متجرًا مع بداية سنة 2026.ويقود هذا النمو بشكل أساسي قطاع المتاجر منخفضة التكلفة مثل BIM وSupeco وKazyon ، التي تمتلك مجتمعة أكثر من 1,300 نقطة بيع، انضافت لها مؤخرا Marjane Market ، وهذا يدل على أن المنافسة الحالية تعتمد أساسًا على سرعة الانتشار الجغرافي وقدرة الشركات على تغطية مختلف المناطق.
ورغم هذا التوسع السريع، لا تزال تجارة القرب تحتفظ بمكانة قوية حيث أن “الحانوت ليس مجرد إرث اجتماعي، بل هو منافس هيكلي حقيقي.”
ويضم المغرب حوالي 250 ألف متجر قرب مقابل ما يقارب 1,300 متجر حديث فقط، وهو ما يعكس الفارق الكبير لصالح التجارة التقليدية، ويعتمد هذا النموذج على مزايا يصعب على المتاجر الكبرى توفيرها، مثل القرب الجغرافي، وإمكانية شراء كميات صغيرة، وساعات عمل مرنة، إضافة إلى ميزة أساسية تتمثل في البيع بالدين عبر “الدفتر”، وهو نظام اجتماعي غير رسمي يساعد العديد من الأسر على تدبير مصاريفها اليومية في ظل الضغوط الاقتصادية.
في هذا السياق، لا تحل المتاجر الكبرى محل “الحانوت”، بل تتعايش معه. فالمستهلك المغربي يتنقل بين عدة قنوات حسب احتياجاته: مشتريات يومية سريعة من متجر الحي، وتسوق بكميات كبيرة من الأسواق الكبرى، والبحث عن الأسعار المنخفضة داخل متاجر الخصم المنافسة، هذا التنوع في سلوك الشراء يجعل الانتقال الكامل نحو نموذج واحد أمرًا غير مرجح في المستقبل القريب.
أما التجارة الإلكترونية الغذائية، التي تُقدم غالبًا باعتبارها محركًا رئيسيًا للتحول، فتظل محدودة في المغرب. ورغم أن مبيعات المواد الغذائية عبر الإنترنت سجلت نموًا تجاوز 40%في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بين 2019 و2024، فإن الإقبال في المغرب لا يزال ضعيفًا، حيث لا يتجاوز عدد المستهلكين الراغبين في زيادة مشترياتهم عبر الإنترنت 21%، وهو أدنى مستوى بين الأسواق التي شملتها الدراسة.
ومن المفارقات أن التحول الرقمي قد يأتي من داخل التجارة التقليدية نفسها. فظهور منصات رقمية تربط تجار القرب بالموردين قد يسمح بتحديث “الحانوت” دون القضاء عليه، مما يفتح الباب أمام نموذج جديد يجمع بين الحضور الميداني والخدمات الرقمية.
وبحلول سنة 2030، قد يستمر هذا التوازن بين مختلف الأنماط التجارية، ووفقًا لتقديرات الخبراء، قد تستحوذ التجارة التقليدية على ما بين 55% و%60 من مبيعات المواد الغذائية، مقابل 35% إلى %40 لصالح التوزيع الحديث، و5% إلى %7 فقط للتجارة الإلكترونية الغذائية، كما يمكن أن يمثل قطاع الخصم ما يصل إلى 40% من مداخيل التوزيع الحديث.
في النهاية، هناك رؤيتان مختلفتان للسوق المغربية. الأولى، التي يقدمها تقرير ماكينزي، تركز على أدوات التحول الحديثة مثل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية. أما الثانية، التي يدافع عنها الخبراء المغاربة في هذا المجال، فتركز على الواقع المحلي، من خلال التوسع الجغرافي، والتحكم في الأسعار، وفهم العادات الاستهلاكية اليومية.
في سوق مثل المغرب، لا يكفي الاعتماد على التكنولوجيا وحدها لتحقيق النجاح، بل إن العامل الحاسم يظل القدرة على فهم احتياجات المستهلكين والتكيف مع واقعهم الاقتصادي اليومي.






















