
لا تتناول سائل الإعلام الوطنية كثيرا أخبار “لادجيد” ومع ذلك، في عواصم بعيدة، من باريس إلى مدريد ومن واشنطن إلى أبوظبي، يَعرف المسؤولون الأمنيون جيداً أهمية شركائهم في المغرب. هذه المفارقة، بين غياب الظهور الإعلامي وحضور الأثر، هي ربما أبلغ ما يمكن قوله عن المديرية العامة للدراسات والمستندات في عقدها الثاني تحت قيادة محمد ياسين المنصوري.
حين عُيّن المنصوري على رأس الجهاز في يونيو 2005، كان البلد لم يَتعافَ بعد من جروح الدار البيضاء. تفجيرات 16 ماي 2003 كانت لحظة مراجعة قاسية، كيف تَسلّلت خلية كاملة إلى قلب العاصمة الاقتصادية دون أن تَلتقطها الأجهزة؟ ما الذي يَنقص؟ ما الذي يَجب أن يَتغير؟ الجواب لم يأت في خطاب رسمي، بل جاء في تغييرات هيكلية بدأت داخل المؤسسة الأمنية وامتدت سنوات.
النتيجة ظَهرت تدريجيا. في 2015، وبعد ساعات قليلة من مجزرة باريس في 13 نونبر، كانت أجهزة الجمهورية الفرنسية تُحاول تحديد مكان عبد الحميد أباعود، العقل المدبر للهجوم. المعلومة التي قادت إلى مخبئه في سان دوني وَصلت من الرباط.. لم تكن تلك المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة. بعدها بأشهر قليلة، حين ضَرب الإرهاب بروكسل، تكرر السيناريو نفسه. مكالمات هاتفية بين الرباط والعواصم الأوروبية لم تَخرج إلى العلن إلا في حدودها الدنيا.
هذا التحول من جهاز يجمع المعلومة إلى جهاز يملك معلومة يحتاجها الآخرون، لم يحصل بالصدفة. وراءه اختيارات هادئة في التكوين والتجنيد وفي طريقة بناء الشبكات. وراءه أيضا قناعة بأن الاستخبارات الجيدة تستثمر في الزمن الطويل، تبني علاقاتها قبل أن تحتاج إليها.
ما يستحق التنويه أيضا هو الكيفية التي قرأ بها الجهاز تحولات الإقليم قبل أن تنضج. حين كانت العواصم الكبرى ما تزال تَنظر إلى الساحل من زاوية المساعدات التنموية، كان المغرب قد بدأ يَنسج هناك علاقاته بمنطق مختلف. تكوين الأئمة من مالي وغينيا وساحل العاج والسنغال في معهد محمد السادس بالرباط.
اليوم، حين يَنسحب الفرنسيون من باماكو ونيامي، وحين تَتسلل قوى جديدة إلى الفراغ، يَجد المغرب نفسه أحد البلدان القليلة التي ما زال لها وجود ذو معنى في تلك الجغرافيا. هذا الوجود ليس صدفة. إنه ثمرة قراءة استشرافية بدأت قبل أكثر من عقد، حين لم يكن الساحل في صدارة الاهتمام الأطلسي.
عن المنصوري نفسه، لا يُعرف الكثير، وهذا في ذاته دليل احتراف. لا حوارات صحفية، لا حضور في الندوات، لا حسابات إلكترونية، لا تسريبات منسوبة إليه. حين تَسلم “لادجيد”، كان شابا نسبيا بمعايير المنصب. اليوم، بعد عقدين، صار اسمه يُتداول في أوساط ضيقة بوصفه أحد أطول رؤساء أجهزة الاستخبارات في العالم استمرارا في موقعه. هذا الاستمرار في حد ذاته يَستحق التوقف. ليس لأنه نادر فحسب، بل لأنه يَعكس ثقة ملكية ثابتة في رجل اختار أن يَعمل، لا أن يَظهر.
اللافت في السنوات الأخيرة أن المغرب لم يعد يُعامَل في ملفات الأمن كـ”دولة طرفية تَستفيد من خبرة الشمال”. صار يُعامَل كطرف يُقدم خبرة. التدريبات المشتركة، الاتفاقات الثنائية، الزيارات المتكررة لمسؤولين أوروبيين إلى الرباط للحديث في ملفات مكافحة الإرهاب، كلها تُشير إلى تَبدّل في موقع المملكة من معادلة الاستخبارات.
لا تحتاج المديرية العامة للدراسات والمستندات إلى مديح، لكن المواطن المغربي يَستحق أن يَعرف، ولو في خطوط عريضة، أن وراء استقرار يومي يَأخذه أحيانا مأخذ المسلم به، مؤسسةً تَشتغل، ورجالا يَختارون الظل.






















