تستعد مدينة الدار البيضاء لإعادة تأهيل مجازرها القديمة والفضاءات التابعة لها بالحي المحمدي، في مشروع يرمي إلى رد الاعتبار لهذه المعلمة التاريخية وإعادة إدماجها في المشهد الثقافي والعمراني والتنموي للعاصمة الاقتصادية، بعد سنوات طويلة من توقفها عن أداء وظيفتها الأصلية.
ويأتي المشروع في إطار محاولة لإعادة إحياء موقع ارتبط بذاكرة الدار البيضاء الصناعية والعمرانية، وتحويله من فضاء متوقف عن النشاط إلى موقع مفتوح على الثقافة والفن والأنشطة العمومية، بغلاف مالي يناهز 160 مليون درهم.
160 مليون درهم لإعادة تأهيل “بوطوار”
وكان مشروع ترميم وإعادة تأهيل المجازر القديمة قد حظي بالمصادقة سنة 2024، قبل أن تعرف الاتفاقية المرتبطة به تحيينا شمل، خصوصا، تركيبة التمويل والجهة المكلفة بالإشراف على تنفيذ المشروع.
وتتوزع المساهمات المالية للمشروع بين عدد من المؤسسات، إذ تساهم وزارة الداخلية، ممثلة في المديرية العامة للجماعات الترابية، بـ40 مليون درهم، فيما تساهم وزارة الشباب والثقافة والاتصال بالمبلغ نفسه. كما يساهم مجلس جهة الدار البيضاء سطات بـ10 ملايين درهم، ومجلس عمالة الدار البيضاء بـ20 مليون درهم، بينما تبلغ مساهمة مجلس جماعة الدار البيضاء 50 مليون درهم، ليصل مجموع التمويل إلى 160 مليون درهم.
وتشمل الأشغال ترميم البنايات الموجودة داخل أسوار المجازر القديمة، وإعادة تأهيل الواجهة الرئيسية، إلى جانب تهيئة الفضاءات العمومية والمرافق الموجودة بالموقع، بما يسمح بإعادة إدماج المعلمة ضمن النسيج الحضري والثقافي للمدينة.
ووفق الصيغة الجديدة للاتفاقية، أسندت مهمة صاحب المشروع المنتدب إلى شركة الدار البيضاء للتهيئة، لتتولى الإشراف على عمليات التهيئة وإعادة التأهيل.
معلمة تعود إلى سنة 1922
ولا يمكن فصل مشروع تأهيل المجازر عن التاريخ الطويل للموقع، الذي يعد واحدا من المعالم المرتبطة بمرحلة التحول الصناعي والعمراني التي عرفتها الدار البيضاء خلال القرن العشرين.
وتعود المجازر، في شكلها المعماري المعروف، إلى سنة 1922، وتمتد على مساحة تقارب 5.5 هكتارات، أي نحو 55 ألف متر مربع، وتضم مجموعة من البنايات والمرافق التي ارتبطت تاريخيا بوظائف الذبح والتخزين والخدمات المرتبطة بها.
وجاء تشييد المجازر في سياق تحديث البنية الصناعية للمدينة، خلال مرحلة كانت فيها الدار البيضاء تعرف توسعا عمرانيا واقتصاديا متسارعا. وتعكس هندستها المعمارية ملامح تلك المرحلة، التي شهدت دخول توجهات معمارية حديثة، مع استمرار حضور عناصر مستوحاة من الخصوصية المغربية.
وظلت المجازر تؤدي وظيفتها لعقود، قبل أن تتوقف عن العمل سنة 2002، عقب انتقال نشاط الذبح إلى منشأة جديدة، لتدخل بعدها مرحلة مختلفة من تاريخها.
من مجازر قديمة إلى فضاء للثقافة والفن
وبعد إغلاقها، عاش الموقع مرحلة من التراجع والإهمال، غير أن قيمته التاريخية والمعمارية حالت دون اختفائه من ذاكرة المدينة، قبل إدراجه ضمن القائمة الوطنية للمعالم التاريخية بالمغرب، بما عزز مكانته باعتباره جزءا من التراث العمراني والتاريخي للدار البيضاء.
ولم يتوقف النقاش حول مستقبل المجازر عند حدود الحفاظ على المباني، بل اتجه تدريجيا نحو البحث عن وظيفة جديدة تعيد إدماج الموقع في الحياة العامة للمدينة. ومنذ سنة 2008 بدأ الموقع يستعد لوظيفة ثقافية وفنية، قبل أن تبرز سنة 2009 تجربة “المصنع الثقافي للمجازر”، التي فتحت المكان أمام عدد من الأنشطة والفعاليات الفنية والثقافية.
وشكلت هذه التجربة محاولة لتحويل موقع صناعي متوقف عن العمل إلى فضاء مفتوح على الثقافة والفن، وإعادة اكتشاف إمكاناته باعتباره جزءا من الذاكرة الحية للدار البيضاء. غير أن مشروع تثمينه وإعادة تأهيله واجه، على مدى سنوات، تحديات مرتبطة بالتمويل والتدبير ووضعية البنيات.





















