تابع الكثير من المغاربة استقبال صاحب الجلالة لأعضاء الحكومة، وأدائهم القسم بين يدي جلالته. المشهد مألوف. يعاش كل خمس سنوات. لا يهتم المشاهد بالقسم بقدر اهتمامه بالوزراء، إناثا وذكرانا، وطريقة مشيهم على البساط، وتقديم التحية، وشكل لباسهم، وتناسق ربطة العنق مع الحداء اللامع، وتصفيف شعر البعض منهم (هن)… وكثير من الملاحظات التافهة.
في حين يهتم البعض الآخر بتقييم عمل الوزراء العائدون إلى مكاتبهم المكيفة، بعد قضاء أوقات عسيرة في انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات السرية خلف الأبواب المغلقة، والتساؤل عن جدوى تعيين آخرين، واستحضار أسباب الإستوزار، ما ظهر منها وما خفي، فالكل يصبح عالما بأحوال السياسة والسياسيين، وخبيرا قانونيا، واستراتيجيا من الوزن الثقيل…
رغم تنوع التعليقات وتباينها، ورغم نهش لحم الوزراء جهارا، فإن الوزراء أدوا القسم. أقسموا بالله العظيم ليكونوا مخلصين للملك وللوطن، وأن يقوموا بمهامهم بصدق وأمانة… وماذا بعد… وأن يخدموا الصالح العام، ويسهروا عن سيادة المغرب ووحدة ترابه.
من من المغاربة من لم يلتزم بهذا القسم رغم أنه لم يؤديه حرفيا ولو مرة واحدة في حياته. فكلنا مخلصون لشعارنا الخالد: الله الوطن الملك. نعيش يوميا بأرواحنا هذا القسم، يسكن وجداننا هذا القسم. نستنشق مع نسائم الصباح هذا القسم. ننام وقلوبنا تخفق بهذا القسم…يردد في كل لحظة ألف مرة في الصحاري والجبال والسهول والوديان، وبين شوارع المدن والقرى ودواوير المغرب العميق.
قمة الإخلاص للثوابت الجامعة لا يرتبط بأداء القسم، فهو نحن ونحن هو.
بعيدا عن الدلالات الدستورية والقانونية والأخلاقية لأداء القسم، وما ينتج عن ذلك من نيل الحكومة للشرعية في ممارسة مهامها، فإن القسم شكل من الأشكال المرتبطة بتنبيه الضمائر، من خلال استحضار الوازع الديني، حيث تحضر الذات الإلهية بجلالها وعظمتها كرقيب على ما تخفي أنفس القوم. قد تعجز القوانين الوضعية عن كشف المستور، إلا أن القسم في بعض منه تنبيه وتذكير بأن ربط المسؤولية بالمحاسبة لن يكون دنيويا فقط، فالمحاسبة الربانية، التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، هي المحاسبة الأخروية الصادقة والعادلة.
لقد أجمع جمهور العلماء من حنفية ومالكية وحنابلة على أن اليمين الكاذبة، أو اليمين الغموس، “أعظم من أن تكفر بمال أو صيام، وليس لها كفارة في الشرع، ولا خلاص منها إلا بالتوبة النصوح، ورد الحقوق إلى أهلها”.
بعيدا عن الأبعاد الدينية للقسم، فهي متروكة لأهل الاختصاص من العلماء الأجلاء، إلا أن الأهم في الموضوع، هي تلك الطاقات والكفاءات البشرية التي تشتغل بعيدا عن الأضواء، في زوايا المكاتب الضيقة، أو في الفلوات، منقطعة عن عوالم الأضواء والبهرجة، هي التي تعمل بجد وإخلاص ليل نهار من أجل تنزيل السياسات العمومية، والاستراتيجيات الكبرى، والبرامج الحكومية.
جنود الخفاء هؤلاء قد لا يعرفون حتى أسماء الوزراء، فبعد مسار دراسي يشبه مقاتلة شبح شرس، واجتياز المباراة الكتابية والشفوية، وإجراء امتحانات القوة البدنية، واجتياز الاختبارات النفسية والطبية، وغير ذلك من الإجراءات… يجدون أنفسهم وسط كومة أوراق، همهم الوحيد تنزيل- بكل افتخار واعتزاز-مضامين قسم لم يؤدوه، مقابل دريهمات في نهاية الشهر، تبتلع خزائن البنوك المتوحشة ثلثه أو ما يزيد عن الثلث، مقابل شقة تائهة وسط عمارة منسية… ثلثه الثاني تلتهم المدارس الخصوصية… والثلث الثالث، يكفيه لأم الضروريات…ما تبقى منه لآلة حلاقة الدقن من النوع الرديء… فطوبا لهم…وليناموا مطمئنين…




