أعلنت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، خلال عرض البرنامج الحكومي أمام غرفتي البرلمان يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، عن حزمة من الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية للفترة 2026-2031، تشمل تحسين دخل الأسر، ومراجعة أنظمة الدعم والتقاعد، وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية، وتوسيع برامج السكن القروي، وتعزيز إدماج الشباب في سوق الشغل.
وتراهن الحكومة على مواجهة ارتفاع كلفة المعيشة من خلال إجراءات تستهدف ضبط أسعار المواد الغذائية، وتحسين تموين السوق الوطنية، وتقريب المنتجين من المستهلكين، إلى جانب توسيع الحماية الاجتماعية وتحسين جودة الخدمات العمومية.
وفي هذا السياق، تعتزم الحكومة إحداث شركات جهوية ومنصات مهنية لتجميع المنتجات وتسويقها وفق دفتر تحملات موحد، وإعداد خطط لتموين السوق بالمنتجات الاستراتيجية، فضلا عن إصلاح مسالك توزيع اللحوم والأسماك. كما تعتزم وضع قواعد معلنة ومستقرة لتنظيم العلاقة بين التصدير وحاجيات السوق الوطنية.
ومن بين الإجراءات المعلنة أيضا إقرار تعويض اجتماعي تلقائي يعادل قيمة فاتورة الكهرباء الشهرية التي لا تتجاوز 100 درهم، لفائدة الأسر المستحقة التي تتوفر على مسكن رئيسي، دون الحاجة إلى تقديم طلب ورقي أو التنقل إلى الإدارات. كما يتضمن البرنامج إصلاحا تدريجيا للضريبة على الدخل، بهدف رفع الدخل الصافي للأجراء وتشجيع التشغيل المصرح به.
وفي مجال الدعم الاجتماعي، تعتزم الحكومة مراجعة معايير الاستفادة بالاعتماد على الدخل الفعلي، مع رفع قيمة الدعم من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، وتحويله إلى أداة للإدماج الاجتماعي والاقتصادي. كما ستعمل على توسيع الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل، وتسريع ورش الحماية الاجتماعية من أجل تحقيق تغطية صحية شاملة ومستدامة.
ويشمل البرنامج كذلك إصلاحا شاملا لأنظمة التقاعد، تعتزم الحكومة إطلاقه بالتشاور مع الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين. ويستهدف هذا الإصلاح، بحسب العرض الحكومي، إعادة بناء منظومة أكثر تكاملا، وتوسيع الحماية لتشمل الأشخاص الذين لا يتوفرون على معاش، وتقريب الحقوق والواجبات بين الأنظمة، وضمان كفاية المعاشات واستدامة تمويلها، مع الحفاظ على الحقوق المكتسبة.
وفي هذا الإطار، تعتزم الحكومة الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهريا بمختلف أنظمة التقاعد. كما أعلنت عن توجه لتمكين الأرملة من معاش كامل يعادل 100 في المائة من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، بدل النسبة الحالية البالغة 50 في المائة، مع الحفاظ على حقوق الأيتام وباقي ذوي الحقوق.
وعلى مستوى الصحة، يركز البرنامج الحكومي على الانتقال من تعميم الحق في التغطية الصحية إلى ضمان الولوج الفعلي والعادل والمستمر إلى خدمات ذات جودة. ولتحقيق ذلك، تعتزم الحكومة معالجة الخصاص في العرض الصحي بين المجالات الترابية، ومأسسة مسارات العلاج، وتحسين استقبال المرضى وتدبير مصالح المستعجلات، وتعميم المساعدة الطبية الاستعجالية، وإرساء منظومة معلوماتية صحية وطنية موحدة.
وستواكب هذه التدابير مواصلة الإصلاح المؤسساتي للقطاع الصحي، والاهتمام بالوظيفة العمومية الصحية، وتعزيز الموارد البشرية، في إطار توجه يروم تحسين ظروف استقبال المرضى وجودة التكفل بهم.
أما في قطاع التعليم، فقد حدد البرنامج هدف رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل بحلول سنة 2031. وستعمل الحكومة على مواصلة تطوير وتعميم نموذج مؤسسات الريادة، وإعداد مرجع وطني ملزم للتعلمات والكفايات الأساسية، واعتماد تقييمات تشخيصية منتظمة، وتعزيز الدعم التربوي والمواكبة الفردية للتلاميذ، مع توظيف الوسائل الرقمية لتتبع تطور مكتسباتهم.
كما وضعت الحكومة هدف «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق سنة 2030، عبر اعتماد مقاربة وطنية تقوم على رصد التلاميذ المهددين بالانقطاع في وقت مبكر، وتتبع مساراتهم بشكل فردي، وتوجيه المنقطعين إلى حلول بديلة تناسب أوضاعهم، سواء من خلال العودة إلى التعليم أو الالتحاق بالتكوين المهني أو الاستفادة من التكوين بالتدرج.
وفي مجال السكن، تتجه الحكومة إلى اعتماد سياسة متكاملة للسكن والتعمير وإعداد التراب وسياسة المدينة، تقوم على الانتقال من التركيز على إنتاج الوحدات السكنية إلى توفير سكن ملائم بتكلفة أقل للأسر، وتحسين جودة الأحياء، وتقريب السكن من فرص الشغل والنقل والخدمات، وتقليص الفوارق بين المجالات الترابية.
وتشمل الإجراءات المرتقبة مواصلة دعم التملك وزيادة عرض السكن، وإحداث عرض وطني مخصص للكراء، وتطوير حلول سكنية لفائدة موظفي القطاعات التي تواجه صعوبات في استقطاب الموارد البشرية، إلى جانب استكمال القضاء على السكن غير اللائق.
كما يتضمن البرنامج إطلاق برنامج للسكن القروي يستهدف تأهيل أو بناء 100 ألف مسكن خلال الولاية الحكومية، خصوصا بالمراكز القروية الصاعدة، مع تقديم دعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم للأسرة المؤهلة، وتوفير مواكبة تقنية مجانية.
ولتيسير تنزيل هذا البرنامج، تعتزم الحكومة إخراج قانون للتعمير بالوسط القروي، يرمي إلى تبسيط إجراءات التعمير والبناء من خلال وثائق مرنة تغطي الدواوير، فضلا عن تسوية وضعية المباني القائمة متى ثبتت سلامتها واحترامها لحقوق الغير.
ويشكل إدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل اللائق أحد المحاور الرئيسية للبرنامج، في ظل معطيات العرض الحكومي التي تشير إلى وجود نحو 2,9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج التعليم والتكوين والشغل، وبلوغ البطالة 29,2 في المائة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة، فضلا عن مغادرة نحو 300 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنويا دون تأهيل.
واستجابة لهذه التحديات، تعتزم الحكومة إطلاق برنامج وطني للمواكبة الاجتماعية الترابية ابتداء من سنة 2027، يستهدف تكوين 100 ألف شاب سنويا وفق حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب سنويا من اكتساب أول تجربة مهنية، إلى جانب رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد سنويا.
كما يتضمن البرنامج مواكبة 60 ألف مقاولة لدعم تطورها واستمراريتها، من خلال الاحتضان وتسهيل التمويل والضمان والولوج إلى الأسواق والصفقات العمومية. وتعتزم الحكومة أيضا إبرام اتفاقيات مع دول تحتاج إلى مهارات ومهن محددة، بما يتيح حركية قانونية للعمال المغاربة.
وفي السياق نفسه، ستعمل الحكومة على تفعيل جواز الحركية المهنية لفائدة الأشخاص الذين يحصلون على فرص عمل خارج مناطق إقامتهم، بالتوازي مع وضع برنامج لتوفير مساكن للكراء بأسعار مناسبة، بما يساعد على تخفيف أعباء التنقل والاستقرار المهني.
وتكشف هذه الإجراءات عن توجه حكومي يربط بين الحماية الاجتماعية وتحسين الدخل وجودة الخدمات العمومية، مع التركيز على التعليم والتكوين والسكن والتشغيل باعتبارها عناصر مترابطة في تحسين ظروف العيش. غير أن الأثر الفعلي لهذه التدابير سيظل مرتبطا بكيفية تنزيلها، والموارد المالية المرصودة لها، ومدى قدرة المؤسسات المعنية على تحويل الأهداف المعلنة إلى نتائج ملموسة لفائدة الأسر والشباب والمتقاعدين.
