أسدل الستار، مساء السبت، بمدينة ورزازات، على فعاليات الدورة الرابعة عشرة للمهرجان الوطني لفنون أحواش، بعد ثلاثة أيام من العروض الفنية والأنشطة الثقافية التي احتفت بغنى التراث الأمازيغي المغربي، وسلطت الضوء على سبل الحفاظ على هذا الفن العريق وضمان انتقاله إلى الأجيال الصاعدة.
ونُظمت هذه الدورة، الممتدة من 22 إلى 24 أكتوبر 2026، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، بمبادرة من وزارة الشباب والثقافة والرياضة، قطاع الثقافة، وعمالة إقليم ورزازات، وبشراكة مع جمعية «ورزازات إيفنتس»، تحت شعار «فنون أحواش وإيقاعات العالم».
ألف فنان يحتفون بأصالة فن أحواش
وشهدت هذه الدورة مشاركة قرابة ألف فنان يمثلون مختلف تعبيرات فن أحواش، أحد أبرز أشكال التعبير الفني المرتبطة بالثقافة الأمازيغية، والذي يجمع بين الإيقاع الجماعي والغناء والرقص والشعر والأزياء التقليدية والتعبير الجسدي.
وتميز حفل الاختتام بعروض فلكلورية قدمتها فرق متخصصة في هذا الفن، وسط تفاعل الجمهور مع اللوحات الفنية التي جسدت أصالة أحواش وثراء مكوناته الجمالية والثقافية.
وعلى مدى ثلاثة أيام، احتضنت فضاءات بارزة بمدينة ورزازات فقرات المهرجان، من بينها قصبة تاوريرت التاريخية وساحة الموحدين والمنطقة السياحية، حيث امتزجت الإيقاعات التقليدية بأجواء احتفالية استحضرت الذاكرة الجماعية للمنطقة وموروثها الثقافي.
نعمان لحلو ووليد الرحماني يضيئان السهرة الافتتاحية
وشهدت السهرة الافتتاحية مشاركة الفنان والملحن نعمان لحلو، الذي قدم عرضاً فنياً جمع بين أغانيه المحتفية بهوية المدن المغربية ورقصات أحواش، في أجواء تفاعل معها الجمهور بشكل لافت.
كما ألهب الفنان وليد الرحماني، أحد نجوم الأغنية الشعبية المغربية، منصة المهرجان بعرض فني استقطب اهتمام الحاضرين، في توليفة جمعت بين التعبير الموسيقي المعاصر والأجواء الاحتفالية التي ميزت هذه التظاهرة.
وإلى جانب العروض الفنية، جرى تكريم عدد من الأسماء البارزة والمواهب الشابة في مجال أحواش، تقديراً لمساراتها وإسهاماتها في صون هذا التراث الثقافي وتثمينه، وتشجيع الأجيال الجديدة على مواصلة حمل مشعله.
ندوة علمية تبحث مستقبل أحواش وسبل صونه
ولم تقتصر فعاليات المهرجان على الجانب الفني، بل شملت أيضاً البعد العلمي والأكاديمي، من خلال ندوة نظمت تحت عنوان «أحواش ورزازات وأحوازها: تاريخ يروى وقيم تصان وآفاق تبنى»، بتأطير من مركز «أسافو» للأبحاث والدراسات والاستشارات.
وناقش الباحثون والخبراء المشاركون الأبعاد التاريخية والثقافية لفن أحواش، باعتباره أحد أبرز التعبيرات الفنية بمناطق جنوب المغرب، ووسيلة لنقل القيم الاجتماعية وصون الذاكرة الجماعية وتعزيز الارتباط بالهوية المحلية.
كما شكل اللقاء مناسبة لتبادل الرؤى بشأن آليات الحفاظ على هذا التراث الحي، في ظل التحولات التي يشهدها المجال الثقافي، وأهمية تطوير المبادرات الكفيلة بضمان استمراريته وإيصاله إلى الأجيال المقبلة.
وتضمن البرنامج، إلى جانب السهرات والندوات، ورشات تكوينية وحصصاً من نوع «الماستر كلاس»، بهدف تعزيز المعارف والمهارات المرتبطة بفنون أحواش، وإبراز أبعاده الفنية والجمالية المتنوعة.
«إيقاعات العالم» تفتح آفاقاً جديدة للتراث الأمازيغي
واختارت الدورة الرابعة عشرة شعار «فنون أحواش وإيقاعات العالم» للتأكيد على أهمية الانفتاح على التجارب الموسيقية الدولية، واستكشاف إمكانات التفاعل بين التراث المحلي وأشكال التعبير الفني المعاصرة.
ويعكس هذا التوجه رغبة المنظمين في الحفاظ على أصالة أحواش، مع إتاحة فرص جديدة للتعريف به وتوسيع دائرة الاهتمام به، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، بما يعزز حضوره ضمن المشهد الثقافي المغربي.
كما يبرز المهرجان أهمية المزاوجة بين صون الموروث الثقافي وتشجيع الإبداع، من خلال منح الفنانين فضاءً للتعبير والتبادل، وتثمين المهارات الفنية المتوارثة داخل مختلف المجتمعات المحلية.
مهرجان يعزز الإشعاع الثقافي والسياحي لورزازات
وإلى جانب دوره في الاحتفاء بالتراث الأمازيغي، يساهم المهرجان الوطني لفنون أحواش في تعزيز الإشعاع الثقافي والسياحي لمدينة ورزازات، من خلال استثمار مؤهلاتها التاريخية والثقافية واستقطاب الجمهور إلى فضاءاتها المتميزة.
وقد نُظمت هذه الدورة بدعم من المكتب الوطني المغربي للسياحة، ومجلس جهة درعة تافيلالت، والمجلس الإقليمي لورزازات، والمجلس الجماعي للمدينة.
وبنجاح هذه الدورة، يواصل المهرجان ترسيخ مكانته موعداً سنوياً للاحتفاء بفنون أحواش، بما تحمله من قيم جماعية وذاكرة تاريخية وهوية ثقافية، مؤكداً أن حماية التراث لا تقتصر على استحضار الماضي، بل تشمل أيضاً ضمان استمراره وتجديد حضوره في الحياة الثقافية للأجيال القادمة.




