فوجئ موزعو التبغ في المغرب بإدراج إصلاح ضريبي جديد يهم منتجات التبغ ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، في خطوة من شأنها أن تؤدي إلى زيادات متتالية في أسعار السجائر خلال السنوات الخمس المقبلة، وذلك بعد انتهاء العمل بالإصلاح السابق الذي امتد من سنة 2023 إلى غاية 2026.
ويأتي هذا التوجه الحكومي في سياق مواصلة رفع الضرائب المفروضة على منتجات التبغ، بهدف تعزيز الموارد المالية للدولة والحد من استهلاك السجائر، غير أن مهنيين في القطاع يحذرون من انعكاسات محتملة على حجم المبيعات ومردودية الشركات، فضلاً عن مخاطر توسع سوق المنتجات غير القانونية.
وأوضح أحد المهنيين أن الفاعلين في القطاع لم يتمكنوا بعد من إجراء دراسة دقيقة لتأثير الزيادات الضريبية الجديدة على أسعار البيع، مشيراً إلى أن التقديرات الأولية ترجح ارتفاع ثمن علبة السجائر بما يتراوح بين درهمين وثلاثة دراهم على الأقل، بغض النظر عن فئة التبغ، مع تفاوت حجم الزيادة بحسب العلامات التجارية والشركات العاملة في السوق.
وأضاف أن مشروع قانون المالية بدأ تداوله منذ عصر الجمعة، ما دفع موزعي التبغ إلى الاستعداد لإجراء حسابات ومحاكاة للأسعار ابتداءً من الاثنين 26 أكتوبر، من أجل تحديد التأثير الفعلي للإصلاح الضريبي الجديد على مختلف أصناف السجائر.
السجائر منخفضة الثمن الأكثر تضرراً من الزيادات
تشير المعطيات الأولية إلى أن الزيادات الضريبية المرتقبة ستؤثر بشكل أكبر على السجائر منخفضة التكلفة مقارنة بالعلامات التجارية الفاخرة.
فكلما كان سعر العلامة التجارية منخفضاً، ارتفع حجم التأثير النسبي للزيادة الضريبية على ثمن بيعها للمستهلك.
ويعود هذا التفاوت إلى آلية الحد الأدنى للتحصيل الضريبي، التي جرى اعتمادها خلال الإصلاح السابق، والمقرر انتهاء العمل بمقتضياته مع نهاية دجنبر 2026.
وبموجب هذه الآلية، تتحمل المنتجات الأقل سعراً عبئاً ضريبياً نسبياً أكبر، ما يؤدي إلى تقليص الفوارق بين أسعار السجائر الاقتصادية وتلك المصنفة ضمن الفئات الممتازة.
ومن المنتظر أن يتواصل هذا التوجه خلال المرحلة الجديدة من الإصلاح، الأمر الذي قد يغير تدريجياً بنية الأسعار داخل سوق التبغ المغربية.
الحكومة تراهن على تحصيل 19.32 مليار درهم من ضرائب التبغ في 2027
تسعى الحكومة من خلال مراجعة النظام الضريبي للتبغ إلى تعزيز مداخيل الخزينة العامة، عبر الرفع من الضريبة الداخلية على الاستهلاك المفروضة على هذه المنتجات.
ووفق التوقعات المرتبطة بمشروع قانون المالية لسنة 2027، يُرتقب أن تبلغ عائدات هذه الضريبة نحو 19.32 مليار درهم.
غير أن تحقيق هذه التوقعات يظل رهيناً بالتطور الفعلي لاستهلاك التبغ وحجم المبيعات داخل السوق الوطنية.
وتبرز معطيات سنة 2026 الفجوة المحتملة بين التقديرات الحكومية والنتائج المحققة على أرض الواقع.
فقد راهنت الحكومة خلال السنة الجارية على تحصيل نحو 17.71 مليار درهم من الضريبة الداخلية على استهلاك التبغ، بينما لم تتجاوز المداخيل المسجلة إلى غاية نهاية شتنبر 2026 نحو 11.39 مليار درهم.
ويرى أحد مهنيي القطاع أن الأشهر الثلاثة المتبقية من السنة لن تكون كافية لبلوغ الهدف المحدد في قانون المالية.
وفي حال تأكد هذا السيناريو، فإن الإصلاح الضريبي لن يكون قد حقق أهدافه المالية لسنة 2026، خلافاً لما سُجل خلال سنة 2025.
ففي نهاية دجنبر 2025، بلغت المداخيل الضريبية المرتبطة بالتبغ نحو 16.04 مليار درهم، متجاوزة التوقعات المحددة في قانون المالية لذلك العام، والتي كانت في حدود 13.7 مليار درهم.
مهنيون يحذرون من تراجع مبيعات السجائر وأرباح الشركات
يثير الإصلاح الجديد مخاوف لدى الفاعلين في قطاع توزيع التبغ، الذين يعتبرون أن الرفع المتواصل للضرائب قد يؤدي إلى تقلص حجم الاستهلاك القانوني وتراجع الأرباح المحققة من كل علبة سجائر مباعة.
وفي هذا السياق، أكد أحد المتدخلين في القطاع أن النظام الضريبي المرتقب خلال السنوات الخمس المقبلة قد يتسبب في انخفاض كميات السجائر المستهلكة، إلى جانب تراجع هامش الربح عن كل علبة.
وتعيد هذه التحذيرات إلى الواجهة تصريحات سابقة لفوزي لقجع، عندما كان وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية، إذ أقر أمام البرلمان قبل سنتين بأن قطاع التبغ يفقد سنوياً نحو 50 مليون علبة سجائر.
ويُعزى هذا التراجع، بحسب المعطيات المقدمة آنذاك، إلى ارتفاع الأسعار من جهة، وتأثير حملات التوعية بمخاطر التدخين على الصحة من جهة أخرى.
ويعتبر مهنيون أن استمرار هذا المنحى يطرح تساؤلات بشأن الجدوى الاقتصادية للقطاع على المدى المتوسط والبعيد، خصوصاً في ظل تزايد الأعباء الضريبية وتراجع حجم المبيعات.
ارتفاع أسعار السجائر قد ينعكس على التضخم والقدرة الشرائية
لا تقتصر المخاوف المرتبطة بالإصلاح الضريبي الجديد على الشركات والموزعين، بل تمتد إلى تأثيراته المحتملة على مؤشرات الأسعار والقدرة الشرائية.
وأوضح أحد الفاعلين في القطاع أن السجائر تدخل ضمن المكونات الاثني عشر لسلة السلع المرجعية المعتمدة في احتساب التضخم، ما يجعل أي ارتفاع في أسعارها عاملاً قد يساهم في زيادة المؤشر العام للأسعار.
وأضاف أن الزيادة المتواصلة في أسعار التبغ تبدو، من وجهة نظره، متعارضة مع السياسة الحكومية المعلنة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
وقال في هذا الصدد إن هناك تساؤلات حقيقية بشأن الاستدامة الاقتصادية لقطاع التبغ، فضلاً عن التأثير المؤكد لارتفاع الأسعار على التضخم.
كما تساءل عما إذا كانت وزارة المالية قد أجرت تقييماً شاملاً لنتائج الإصلاح الضريبي السابق قبل اتخاذ قرار بإطلاق إصلاح جديد.
السجائر الإلكترونية بدورها معنية بمضاعفة الضريبة
لن تقتصر التعديلات الضريبية المرتقبة على السجائر التقليدية، بل ستشمل أيضاً السجائر الإلكترونية.
فقد تضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 مقتضيات تقضي برفع الضريبة الداخلية على الاستهلاك المفروضة على هذه المنتجات ابتداءً من فاتح يناير 2027.
وبحسب المشروع، سترتفع الضريبة من 50 درهماً إلى 100 درهم عن كل سيجارة إلكترونية، أي بزيادة تبلغ 100%.
وأوضح أحد المهنيين أن كل سيجارة إلكترونية ستصبح خاضعة لضريبة داخلية على الاستهلاك قدرها 100 درهم، تضاف إليها الضريبة المفروضة على السائل الإلكتروني، والمحددة في 10 دراهم عن كل مليلتر.
ويأتي هذا التوجه في إطار السياسة الرامية إلى مكافحة التدخين، خصوصاً لدى الشباب، وكذلك الأشخاص الذين يلجؤون إلى السجائر الإلكترونية باعتبارها بديلاً عن السجائر التقليدية في محاولة للإقلاع عن التدخين.
غير أن هذا الإجراء يثير بدوره تساؤلات بشأن تأثير ارتفاع الأسعار على سلوك المستهلكين، ومدى قدرته على تحقيق الأهداف الصحية والجبائية المعلنة.
هدفان وراء الرفع من الضرائب على التبغ
تراهن الحكومة المغربية على تحقيق هدفين رئيسيين من خلال مراجعة الضريبة الداخلية على استهلاك التبغ.
يتمثل الهدف الأول في زيادة المداخيل الضريبية، بما يسمح بتوفير موارد إضافية لتمويل السياسات العمومية، ومواصلة تعميم الحماية الاجتماعية، والوفاء بمختلف الالتزامات التي تعهدت بها الحكومة خلال الحملة الانتخابية.
أما الهدف الثاني، فيتعلق بالحد من استهلاك التبغ عبر آلية الأسعار، انطلاقاً من فرضية أن ارتفاع تكلفة السجائر قد يدفع عدداً من المستهلكين إلى تقليص استهلاكهم أو الإقلاع عن التدخين.
ويشكل هذا البعد الصحي أحد المبررات الأساسية التي استندت إليها الزيادات الضريبية المتتالية خلال السنوات الأخيرة، بالنظر إلى الأضرار المثبتة للتدخين على الصحة العامة.
غير أن بعض المهنيين يعتبرون أن المراجعة الضريبية الجديدة قد تؤدي إلى نتائج عكسية.
وفي هذا الإطار، وصف أحد الفاعلين في القطاع الإجراء المرتقب بأنه «إجراء صارم»، محذراً من أن الإفراط في رفع الضرائب قد ينتهي إلى إضعاف مصدر مهم للمداخيل الجبائية، بدلاً من تعزيز موارده.
واعتبر أن استمرار الزيادات قد يدفع بعض المدخنين إلى البحث عن منتجات أقل سعراً خارج قنوات التوزيع القانونية.
مخاوف من توسع سوق السجائر غير القانونية
من بين أبرز المخاطر التي يثيرها مهنيون احتمال انتقال جزء من الطلب على السجائر نحو المنتجات غير القانونية، نتيجة اتساع الفارق بين أسعار السجائر الخاضعة للضرائب وتلك المتداولة خارج المسالك الرسمية.
وفي هذا السياق، حذر أحد المتدخلين من أن الرفع المتواصل للضرائب قد يدفع المستهلكين إلى اقتناء منتجات غير مشروعة، مشدداً على ضرورة التمييز بين هذه المنتجات والسجائر المهربة القادمة من الجزائر وموريتانيا، التي تخضع مسالكها، بحسب قوله، لمراقبة مشددة.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن تراجع المبيعات داخل السوق القانونية قد يؤدي إلى انخفاض المداخيل الجبائية، بما قد يقوض أحد الأهداف الأساسية للإصلاح.
وفي المقابل، يظل الحد من التدخين وتقليص أضراره الصحية هدفاً رئيسياً للسياسة الضريبية المرتبطة بمنتجات التبغ.
وبين الرهان على تعزيز موارد الدولة، والسعي إلى حماية الصحة العامة، ومخاوف المهنيين بشأن تراجع المبيعات، يفتح مشروع قانون المالية لسنة 2027 نقاشاً جديداً حول مدى فعالية الزيادات الضريبية المتتالية على التبغ.
ويبقى التحدي الأساسي أمام الحكومة هو تحقيق التوازن بين الأهداف الصحية والمالية، دون التسبب في توسع السوق غير القانونية أو تقليص المداخيل الضريبية المنتظرة.




