تحول المركب الرياضي لفاس إلى عنوان بارز لاختلالات تدبير المشاريع العمومية بالمغرب، بعدما انتقلت منشأة رياضية شيدت بمئات الملايين من الدراهم إلى ورش مفتوح على إصلاحات متتالية بملايير الدراهم، في وقت لم تتضح فيه بعد الكلفة النهائية للمشروع، ولا المبررات التقنية والمالية التي فرضت العودة إلى الأشغال الكبرى بعد سلسلة من عمليات التأهيل السابقة.
وبدأت حكاية الملعب في تسعينات القرن الماضي، عندما انطلقت أشغال تشييده ليكون واحدا من أبرز المنشآت الرياضية بالمملكة، إلا أن المشروع تعثر وامتدت الأشغال سنوات طويلة قبل افتتاحه سنة 2007.
وتحدثت تقارير صحافية عن كلفة أولية تجاوزت 350 مليون درهم، فيما قدرت مصادر أخرى مجموع الاستثمارات بنحو 500 مليون درهم، وهي أرقام تطرح أسئلة قديمة حول التحكم في آجال الإنجاز والنفقات.
ولم يكن التأخر وحده عنوان هذه التجربة، إذ احتاج الملعب إلى إصلاحات قبل افتتاحه، بعدما تعرضت بعض تجهيزاته للتدهور بسبب ضعف الصيانة وقلة الاستغلال، وتحدثت تقارير منشورة سنة 2007 عن تخصيص 12 مليون درهم لمعالجة اختلالات ظهرت قبل دخوله الخدمة بصورة منتظمة.
وبعد سنوات من الاستغلال، عاد المركب إلى واجهة الإنفاق العمومي، إذ خصص نحو 600 مليون درهم لتأهيله استعدادا لكأس إفريقيا للأمم 2025، وشملت الأشغال تحديث مرافقه وتجهيزاته لاستقبال المباريات وفق المعايير المطلوبة، وكان يفترض أن يشكل هذا الاستثمار مرحلة مهمة في تطوير المنشأة وإطالة عمرها التشغيلي.
وجاءت المفاجأة مع التحضيرات لكأس العالم 2030، إذ أعلنت الوكالة الوطنية للتجهيزات العامة عن صفقات جديدة لإعادة تأهيل المركب، وأسندت في أكتوبر 2026 صفقة أشغال كبرى بقيمة بلغت نحو 2.83 مليار درهم، تشمل الأشغال الهيكلية والعزل والهياكل المعدنية والتكسية والتجهيزات المعمارية.
ولم تتوقف الاعتمادات المعلنة عند هذا الحد، إذ طرحت الوكالة طلبات عروض أخرى بقيمة تقديرية تناهز 1.52 مليار درهم، تتعلق أساسا بالتجهيزات الكهربائية والشبكات التقنية، ما يرفع مجموع قيمة الصفقة المسندة والطلبات المعلنة إلى نحو 4.35 ملايير درهم، دون احتساب نفقات البناء والإصلاحات السابقة، مع ضرورة التمييز بين المبالغ المبرمجة والصفقات المبرمة والنفقات المؤداة فعليا.
وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة تستحق مساءلة المسؤولين عن تدبير المال العام، إذ كيف يعقل أن تتحول منشأة رياضية شيدت بمئات الملايين إلى مشروع يحتاج إلى ملايير إضافية لإعادة تأهيله؟ وهل كانت الدراسات السابقة عاجزة عن توقع حاجيات الملعب، أم أن المعايير الجديدة للمنافسات الدولية أصبحت مبررا لتبرير كل زيادة في النفقات دون تقديم حصيلة واضحة لما أنجز سابقا؟
صحيح أن استقبال مباريات كأس العالم يفرض شروطا تقنية وتنظيمية أكثر صرامة من تلك المعتمدة في المنافسات القارية، وأن رفع الطاقة الاستيعابية وتغطية المدرجات وتحديث التجهيزات قد يتطلب استثمارات ضخمة، إلا أن ذلك لا يعفي الجهات المسؤولة من الكشف عن تفاصيل الأشغال الجديدة، وتحديد مصير التجهيزات التي أنجزت خلال عمليات الإصلاح السابقة، وبيان ما إذا كانت بعض النفقات قد تكررت بسبب ضعف التخطيط.
وتزداد الصورة تعقيدا مع استمرار الشكوك بشأن اختيار ملعب فاس ضمن القائمة النهائية للمنشآت التي ستحتضن مباريات مونديال 2030، بعدما تحدثت تقارير صحافية إسبانية عن احتمال تقليص عدد الملاعب المرشحة، وأشارت إلى احتمال استبعاد المركب الفاسي. ولم يكن الاتحاد الدولي لكرة القدم قد أعلن، إلى حدود بداية نونبر 2026، قرارا رسميا بإقصاء الملعب، إلا أن مجرد احتمال عدم اختياره يضع الجدوى الاقتصادية للاستثمارات الضخمة أمام امتحان حقيقي.
ولا يتعلق الأمر بمعارضة تطوير البنيات الرياضية أو التشكيك في أهمية تنظيم المغرب لتظاهرات دولية كبرى، بل بضرورة إخضاع هذه الاستثمارات للمعايير نفسها التي يفترض اعتمادها في تدبير المستشفيات والمدارس وشبكات النقل والمرافق الأساسية، فكل درهم تخصصه الدولة لمشروع معين يمثل موردا ماليا كان بالإمكان توجيهه إلى أولوية أخرى، ما يجعل جودة الاختيار وحسن التنفيذ واحترام الميزانيات جزءا من المسؤولية السياسية والإدارية.
وتكشف قضية ملعب فاس عن خلل أعمق يرتبط بطريقة التعامل مع المشاريع الكبرى، إذ يبدو أن الاهتمام ينصب في كثير من الأحيان على تعبئة الاعتمادات وإطلاق الأوراش أكثر من التركيز على كلفة الاستغلال والصيانة والعمر الافتراضي للتجهيزات، بينما يفترض أن تقاس نجاعة الاستثمار العمومي بقدرته على تقديم خدمات مستمرة، وليس بحجم الأموال التي استهلكها.
إن الرهان الحقيقي لا يقتصر على احتضان مباريات مونديال 2030، بل يتجاوز ذلك إلى إثبات قدرة المؤسسات العمومية على التخطيط والإنجاز وحماية المال العام، حتى لا يصبح ملعب فاس عنوانا لمشروع يبدأ بمئات الملايين، ويمر بملايير الدراهم، ثم يعود بعد سنوات للمطالبة بميزانية إصلاح جديدة.
