الجزائر تعلن التعبئة العامة ضد حبة بطاطا

استسلمت الدبابات، وصمتت المدافع، وأعلنت الصواريخ عجزها عن حسم المعركة، بعدما ظهر في الجزائر خصم لا تنفع معه الترسانة العسكرية ولا بيانات الانتصارات الوهمية.

ولم يأت العدو من وراء الحدود، ولم يتسلل عبر البحر، بل خرج من باطن الأرض، مستديرا، صغير الحجم، يحمل اسما أربك الحسابات الاستراتيجية: البطاطا. هكذا وجدت “القوة الضاربة” نفسها في مواجهة حبة لا تملك جيشا ولا راية، لكنها استطاعت أن تستنفر الأسواق، وتحشد المواطنين في الطوابير، وتضع هيبة الشعارات الرسمية أمام اختبار المقلاة.

وبينما تواصل الخطابات الرسمية الحديث عن الإنجازات الكبرى والنفوذ الإقليمي، يخوض المواطن الجزائري معركة يومية للحصول على كيلوغرام من البطاطا، بعدما تحولت من غذاء شعبي إلى غنيمة تستحق الانتظار والمطاردة.

ولم يعد السؤال عن موعد إطلاق مشروع ضخم أو تحقيق انتصار دبلوماسي، بل عن المكان الذي يمكن العثور فيه على بائع يملك مخزونا من هذا المحصول، قبل أن يختفي كما تختفي الوعود الانتخابية عقب إعلان النتائج.

وتحولت البطاطا إلى نجمة الأسواق الجزائرية، يتعقب المواطنون أخبار ظهورها واختفائها كما يتعقب المستثمرون تحركات الذهب والبترول، بعدما قفز ثمن الكيلوغرام في بعض الأسواق إلى 150 دينارا، وتجاوز في مناطق أخرى 180 دينارا، رغم تحديد السلطات سقفا لا يتعدى 90 دينارا، لتولد نظرية اقتصادية جديدة مفادها أن الحكومة تحدد الأسعار في المكاتب، بينما تمارس البطاطا حقها في العصيان داخل الأسواق.

ولم تعد رحلة اقتناء الخضر مجرد زيارة عابرة إلى السوق، بل تحولت إلى عملية استطلاع ميداني تتطلب معرفة مواقع التموين ومواعيد وصول الشاحنات.

ونقلت تقارير إعلامية مشاهد طوابير أمام نقاط البيع، فيما أظهرت مقاطع منشورة أشخاصا يتجهون نحو الحقول لجمع البطاطا مباشرة، وكأن المواطنين قرروا اختصار المسافة بين المنتج والمستهلك، وإلغاء جميع حلقات الوساطة، بما فيها تلك التي تعيش على إصدار البلاغات وتقديم التفسيرات.

وقد تحتاج “القوة الضاربة”، إذا استمر الوضع، إلى تأسيس قيادة عسكرية مشتركة للبطاطا، تتولى مراقبة خطوط الإمداد، ورصد تحركات المحصول، وتحديد المناطق المحررة من الندرة، مع إصدار بلاغ يومي يعلن نجاح القوات في تأمين شاحنة جديدة. أما المواطن الذي يعود إلى منزله بكيس ممتلئ، فيستحق وسام الشجاعة الغذائية، بعدما اخترق خطوط الانتظار وعاد بالغنيمة سالما إلى أسرته.

ولم تتأخر السلطات في إعلان إجراءات لتفريغ المخزونات وضبط الأسعار، بينما تحدث تجار عن صعوبات التموين، واشتكى آخرون من تعقيدات التسعير، لتدخل البطاطا متاهة بيروقراطية تستوجب الاجتماعات واللجان والتدخلات الاستعجالية، قبل أن تحصل على إذن غير مكتوب بمغادرة المخازن والظهور فوق رفوف المتاجر.

وربما حان الوقت لإعادة صياغة مفهوم الأمن القومي الجزائري، وإضافة باب خاص بعنوان “السيادة على البطاطا”، مع إنشاء مرصد وطني لمتابعة حركة المحصول من الحقول إلى المقالي، لأن امتلاك آبار الغاز والبترول لا يكفي لإقناع المواطن الذي يعود من السوق خالي الوفاض بأن بلاده قوة اقتصادية عظمى.

وإلى أن تنتهي الأزمة، ستظل البطاطا بطلة المشهد، بعدما نجحت في ما عجز عنه خصوم “القوة الضاربة”، إذ كشفت المسافة الفاصلة بين الشعارات الضخمة والمشكلات اليومية الصغيرة، وأثبتت أن المواطن لا يستطيع قلي البيانات الرسمية في الزيت، ولا تحويل خطابات التفوق الإقليمي إلى وجبة عشاء.

ولعل أغرب ما في هذه المعركة أن البطاطا لم تطالب بالانفصال، ولم تؤسس حكومة في المنفى، ولم تستعن بقوة أجنبية، بل قررت، بكل بساطة، أن تصبح نادرة في الأسواق، لتجد السلطات نفسها أمام أزمة لا تحتاج إلى وساطة دولية، وإنما إلى محصول يصل إلى المستهلك بثمن معقول.

أنس السردي

اترك تعليقاً

Turn on JavaScript to leave a comment.

Exit mobile version
✕
MCG24

مجانى
عرض