
ثقافة
قَطْرَةُ تَدبُّر….
الدكتور التهامي الحراق
قال تعالى: “يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”(الحجرات، 13).
يمكن للمتدبر في هذه الآية الكريمة أن يفهم التقوى التي تحقق “كرامة” الناس فهما واسعا؛ فهناك كرامة الدنيا، وكرامة الآخرة. والسؤال هنا: لماذا نلاحظ “كرامة” شعوب وأقوام غير مسلمين في الدنيا، تلك التي تظهر في تَصدُّر رتب النمو والتطور والتنمية على السُّلَّم العالمي، وطبقا للتصنيفات الدولية، فيما نلاحظ تأخر بعض المسلمين “المتقين” في ذيل مراتب هذه “الكرامة” ؟؟؟!!!. الآية الكريمة ذات أفق كوني تتحدث عن الناس جميعِهم، مسلمِيهم وغير مسلمِيهم؛ مما يجعل الكرامة بإطلاق مشروطة بالتقوى؛ الكرامةُ الدنيوية مشروطةٌ بأن يتقيَ الناسُ الظلمَ بالعدل، والجهلَ بالعلم، والجهالةَ بالتعليم، والغِشَّ بالإتقان، والكسلَ بالعمل، والخرافةَ بالعقل، والكذبَ بالصدق، والأنانيةَ بالمشاطرة، والتفاضل بالتكافل، والفسادَ بالصَّلاح، والرياءَ بالإخلاص، والبخلَ بالعطاء، والكراهيةَ بالحُب….ومن تحقق بهذه “التقوى” لا محالة سيعيش مُكَرَّما من لدن الله في الدنيا؛ لأنه يستجيب لسنن الله لتحصيل الكرامة في التاريخ. ومتى ما جَمَع المتحقِّقُ بهذه السُّنَن، إلى ذلك، سلامةَ الصِّلة الروحانية بالله إيمانا واعتقادا وتعبدا، نال الكرامة الكاملة والشاملة في الدارين، في الدنيا والآخرة. على أن التقوى الإيمانية الحقة تثمر ضرورة عملا صالحا؛ أي تثمر تقوى معرفية واجتماعية وأخلاقية…، ومِن ثَم تحقِّق الكرامة في الدارين، ومن ادعى التقوى الإيمانية ولم يَبْلُغ الكرامة في الدنيا قبل الآخرة، فليَتَّهِمْ “تَقْوَاه”، فوعد تكريم الحق سبحانه للمتقين يظهر في الدنيا قبل الآخرة.