
عاد فيروس نيباه إلى واجهة الاهتمام الصحي العالمي، عقب تسجيل إصابات جديدة في الهند، ما أعاد إلى الأذهان مخاوف رافقت فترة جائحة كورونا. ويصنف هذا الفيروس ضمن الأمراض ذات الأولوية القصوى لدى منظمة الصحة العالمية، نظرا لقدرته المحتملة على التسبب في أوبئة عابرة للحدود، إلى جانب ارتفاع معدل الوفيات المرتبط به.
ورغم تأكيد السلطات الصحية الهندية، بدعم من منظمة الصحة العالمية، أن الوضع تحت السيطرة ولا توجد مؤشرات على تفش واسع، فإن الطبيعة الخطيرة للفيروس أعادت طرح تساؤلات حول خصائصه، وطرق انتقاله، ومدى احتمالات تحوله إلى تهديد وبائي عالمي.
معدل وفيات مرتفع ومضاعفات عصبية محتملة
في هذا السياق، أوضح الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، الطيب حمضي، أن خطورة فيروس نيباه تكمن أساسا في ارتفاع معدل الوفيات الناتجة عنه، والذي يتراوح بين 40 و75 في المئة، مشيرا إلى أن ذلك يعني أن ما بين شخصين وأربعة من كل خمسة مصابين قد يفارقون الحياة، تبعا لجودة وسرعة التكفل الطبي.
وأضاف أن الفيروس قد يخلّف، لدى بعض الناجين، آثارا عصبية دائمة، إذ قد يعاني واحد من بين كل خمسة مصابين من إعاقات عصبية مدى الحياة، مؤكدا أن التدخل الطبي المبكر يساهم في تقليص هذه المخاطر، عكس الحالات التي يتم فيها الولوج إلى العلاج بشكل متأخر.
وأشار إلى أن نيباه يستهدف بالأساس الجهازين العصبي والتنفسي، مع تسجيل حالات التهاب دماغي حاد قد تقود إلى مضاعفات خطيرة، لافتا إلى أن غياب أي لقاح أو علاج نوعي معتمد دفع منظمة الصحة العالمية إلى إدراجه ضمن قائمة الأمراض العشرة ذات الأولوية القصوى القادرة على التسبب في أوبئة مستقبلية.
ما هو فيروس نيباه وكيف ينتقل؟
فيروس نيباه هو مرض حيواني المنشأ ينتقل من الحيوانات إلى الإنسان، ويعد من أخطر الفيروسات الناشئة المعروفة حاليا. جرى اكتشافه لأول مرة بين عامي 1998 و1999 في ماليزيا، عقب تفش وبائي ارتبط بإصابة الخنازير وانتقال العدوى إلى البشر، قبل تسجيل بؤر متفرقة لاحقا في عدد من دول جنوب شرق آسيا، خاصة بنغلادش والهند وسنغافورة.
وتشير المعطيات العلمية إلى أن خفافيش الفاكهة، المعروفة بـ“الثعالب الطائرة”، تشكل المستودع الطبيعي للفيروس، إذ تحمله دون أن تظهر عليها أعراض. وينتقل إلى الإنسان أساسا عبر استهلاك فواكه أو عصائر ملوثة بإفرازات هذه الخفافيش، كما يمكن أن تنتقل العدوى عبر الحيوانات المصابة أو منتجاتها.
كما ثبت انتقال الفيروس من إنسان إلى آخر، وإن كان بشكل محدود، ويحدث غالبا في حالات المخالطة القريبة داخل الأسر أو في المؤسسات الصحية، خاصة عند غياب إجراءات الوقاية الصارمة.
هل يشكل نيباه خطرا آنيا على المغرب؟
أكد الطيب حمضي أن الحالات المسجلة في الهند لا تشكل حاليا خطرا مباشرا على المغرب، موضحا أن بؤر الفيروس معروفة ومحصورة أساسا في مناطق آسيوية بعيدة جغرافيا، وأن السلطات الصحية هناك تتدخل بسرعة لمحاصرة أي تفشيات.
وأضاف أن طرق انتقال نيباه لا تشبه الفيروسات التنفسية سريعة الانتشار، إذ يتطلب انتقال العدوى تماسًا مباشرا وقريبا، سواء من الحيوان إلى الإنسان أو بين البشر، ما يقلل في الوقت الراهن من احتمالات تحوله إلى تهديد عالمي فوري.
غير أنه نبه إلى أن الخطر الحقيقي يظل مستقبليا، في حال اكتسب الفيروس طفرات جينية تسهل انتقاله بين البشر، خاصة في ظل استمرار غياب اللقاحات والعلاجات النوعية.
وشدد على أن المغرب غير مهدد حاليا، لكنه مطالب بالحفاظ على اليقظة الوبائية، وتعزيز مراقبة الأمراض الوافدة، وضمان السلامة داخل المؤسسات الصحية، إلى جانب الاعتماد على المعلومة العلمية الدقيقة دون تهويل أو تهوين.
أعراض تبدأ بسيطة وقد تنتهي بمضاعفات خطيرة
تتراوح فترة حضانة فيروس نيباه بين 4 و14 يوما، وتبدأ الأعراض غالبا بشكل يشبه نزلة برد أو إنفلونزا، مثل الحمى والصداع وآلام العضلات والإرهاق والغثيان أو القيء.
غير أن الحالة قد تتطور لدى عدد من المصابين إلى اضطرابات عصبية حادة، تشمل فقدان التوازن وتشوش الوعي، وصولا إلى التهاب دماغي قد يقود إلى الغيبوبة والوفاة، كما قد يصيب الجهاز التنفسي محدثا ضيقا حادا في التنفس يهدد الحياة.
ويجمع خبراء الصحة ومنظمة الصحة العالمية على أن فيروس نيباه ليس جائحة اليوم، لكنه يظل خطرا كامنا يستدعي اليقظة، والاستثمار في البحث العلمي، وتسريع تطوير اللقاحات والعلاجات، وتعزيز التعاون الدولي في مجال المراقبة الوبائية.






















