سياسة

رحبات بلا خرفان… فأين القطيع يا سيادة الوزير؟

سياسة

مشهد صادم، لا يحتاج إلى تأويل ولا إلى تحليل: رحبات الماشية في عدد من مدن المملكة شبه فارغة هذا الثلاثاء، لا خرفان تتزاحم في الرحبات، ولا قطعان تنتظر المشترين، ولا حتى ذلك الضجيج المعهود الذي اعتاد المغاربة سماعه في الأيام القليلة التي تسبق عيد الأضحى. فقط حظائر خاوية، وتجار يجلسون في انتظار ما لا يأتي، ومواطنون يجوبون السوق تلو السوق دون أن يعثروا على أضحية واحدة تستحق الشراء.

أين القطيع؟ سؤال بسيط، مباشر، لا يحتمل المراوغة، ويفرض نفسه اليوم على كل مسؤول في وزارة الفلاحة، وفي مقدمتهم الوزير نفسه الذي خرج علينا قبل أسابيع قليلة بثقة من يحمل بين يديه أرقاما لا تقبل الشك، مؤكدا أن “القطيع الوطني كاف”، وأن المواطن لا داعي لأن يقلق، وأن العيد سيمر في “ظروف عادية”. فأين هو هذا القطيع الكافي الذي تحدث عنه؟ في أي ضيعة يختبئ؟ وفي أي زريبة يرعى؟ ولماذا لا نراه في الرحبات حيث يفترض أن يكون؟

الواقع الذي تنقله عدسات الكاميرات وشهادات المواطنين من سيدي يحيى الزعير إلى مراكش، ومن سيدي علال البحراوي إلى الأسواق الأسبوعية في الجهات، واقع لا تخطئه العين: العرض شبه منعدم. الرحبات التي اعتادت أن تستقبل آلاف الرؤوس في مثل هذه الأيام، أصبحت تستقبل العشرات فقط. والخرفان التي كانت تملأ الفضاءات أينما ولى المرء وجهه، اختفت كأن الأرض ابتلعتها. فهل تبخر القطيع الوطني بين ليلة وضحاها؟ أم أن الأرقام التي قدمت للرأي العام كانت أرقاما على ورق فقط، لا علاقة لها بما يجري في الميدان؟

السؤال هنا ليس سؤال أسعار، وإن كان الغلاء وجها آخر للأزمة، بل سؤال وجود من عدمه. فالمواطن لم يعد يساوم على ثمن خروف يجده أمامه، بل بات يبحث عن الخروف نفسه قبل أن يفكر في ثمنه. ولأول مرة منذ سنوات، يجد المغربي نفسه أمام معادلة لم يعتدها: ليست المسألة “هل أستطيع شراء أضحية؟”، بل “هل توجد أضحية أصلا لأشتريها؟”. وهذا في حد ذاته فضيحة بكل المقاييس، ودليل دامغ على أن الخطاب الرسمي كان يسير في واد، وأن الواقع كان يسير في واد آخر.

ما يزيد الطين بلة، أن هذا الغياب لم يأت من فراغ. فمنذ أسابيع، والمتتبعون يحذرون، والمربون يدقون ناقوس الخطر، والمستهلكون يتساءلون عن سبب شح المعروض في الأسواق التمهيدية، إلا أن الحكومة آثرت الإصرار على خطاب التطمين، وكأن مجرد إنكار الأزمة كاف لإلغائها. واليوم، وقد بلغ السيل الزبى، وأصبح غياب القطيع حقيقة لا يمكن إخفاؤها خلف بلاغات ومؤتمرات صحفية، يجد المسؤولون أنفسهم في مواجهة سؤال محرج: أين ذهبت تلك الملايين من رؤوس الماشية التي تحدثوا عنها؟

هل هربت إلى خارج الحدود في عمليات تهريب لم تجد من يوقفها؟ أم تم تخزينها لدى كبار المربين والسماسرة في انتظار اللحظة المناسبة لإطلاقها بأثمنة فلكية تستنزف جيوب المواطنين؟ أم أن القطيع لم يكن أصلا بالحجم الذي ادعته الأرقام الرسمية، وأن البلاد تعيش أزمة بنيوية حقيقية تم التستر عليها لسنوات؟ كلها أسئلة تنتظر إجابات صريحة، لا إجابات دبلوماسية مغلفة بلغة الخشب.

إن غياب القطيع هو مؤشر إنذار حقيقي على أن شيئا ما يحدث في القطاع الفلاحي بعيدا عن أعين الرأي العام. والصمت إزاء هذا الغياب، أو الاكتفاء بتبريرات من قبيل “الجفاف” و”تكلفة الأعلاف” و”تذبذب الإنتاج”، لم يعد مقبولا، خصوصا وأن المواطن دفع ثمن هذه التبريرات عاما بعد عام، وها هو اليوم يكتشف أن الثمن الحقيقي كان مؤجلا فحسب.

والمؤسف أن من يدفع الفاتورة في النهاية ليس من أخفى القطيع، ولا من ضارب فيه، ولا من تسامح مع التهريب أو الاحتكار، بل المواطن البسيط الذي يقف في الرحبة تائها، يبحث عن خروف غير موجود، ويستمع إلى تصريحات لا تطابق ما تراه عيناه. وهذه، في عرف أي دولة تحترم نفسها، مسؤولية لا يمكن أن تمر دون محاسبة، ودون أن يخرج علينا الوزير اليوم – لا غدا – ليفسر، بلغة الأرقام لا بلغة الوعود، أين اختفى القطيع الوطني؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

CONGTOGEL