
ثورية عفيف
لم يعد الغلاء في بلدنا مجرد أزمة ظرفية أو موجة عابرة، بل تحول إلى واقع خانق يطارد الأسر في تفاصيل حياتها اليومية، من الخضر واللحم إلى أبسط متطلبات العيش الكريم.
لكن المؤلم أكثر، أن هذا الغلاء بلغ ذروته في مناسبة دينية واجتماعية ظلت عبر التاريخ عنوانا للفرح والتكافل وصلة الرحم: عيد الأضحى.
فبينما كان المغاربة ينتظرون إجراءات حقيقية تخفف عنهم عبء الأسعار وتحمي قدرتهم الشرائية، اختارت الحكومة أن تواجه الأزمة بسيل من التصريحات المطمئنة التي لا أثر لها في الواقع.
تحدثت عن الوفرة وعن توفير العرض الكافي وعن إمكانية اقتناء الأضحية بحوالي 1000 درهم، بينما الحقيقة التي اصطدم بها المواطن في الأسواق كانت مختلفة تماما؛ لا أثر لتلك الوفرة الموعودة، ولا وجود لذلك الثمن الذي تم التصريح به، بل أسعار مشتعلة ومضاربة متوحشة وقلق اجتماعي غير مسبوق.
لقد وجد المواطن المغربي نفسه مرة أخرى وحيدا أمام جشع السوق، يطارد أضحية العيد بين السماسرة والوسطاء والمضاربين، في وقت كان يفترض فيه أن تتدخل الحكومة لضبط الأسعار ومحاربة الاحتكار وحماية التوازن الاجتماعي.
غير أن الأخطر من الغلاء نفسه، هو الخطاب الحكومي الذي بدا منفصلا عن معاناة الناس، بل ومبررا للوضع القائم.
فحين يخرج رئيس الحكومة بتصريح يقول فيه: الكسابة/الشناقة باش يدخلو للسوق خاصو يدخل دابا… إلا تبقاو حتى تدخلو كلكم غادي ترخص الاثمنة…
فإن الأمر لا يبدو مجرد زلة لسان عابرة، بل يعكس عقلا حكوميا يتعامل مع المضاربة كأنها أمر طبيعي، ويحمل المواطن مسؤولية الغلاء بدل مساءلة المتسببين الحقيقيين فيه.
أي رسالة توجه للمواطنين حين يبلغ ثمن الاضحية ذروة الاشتعال دون رحمة ولا شفقة وفي عام مطير!
وأين هي الحكومة التي من المفروض أن تحمي المواطنين من الاحتكار والتلاعب بقوتهم اليومي؟
لقد تحولت الأسواق إلى فضاء مفتوح للمضاربين والسماسرة، بينما اكتفت الحكومة بخطابات تقنية وتبريرات بعيدة عن واقع الأسر التي أنهكتها موجة الأسعار.
ولم تكتفِ بذلك، بل اختارت ضخ الملايير تحت عنوان “دعم استيراد الأغنام” و”دعم المهنيين”، دون أي أثر حقيقي على أثمنة السوق.
والمفارقة الصادمة التي يلاحظها الجميع اليوم، هي أنه كلما ارتفعت مبالغ الدعم، ارتفعت معها الأسعار أكثر، وكأن المال العمومي تحول إلى وقود جديد للمضاربة والريع بدل أن يكون أداة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
فمن استفاد فعلا من هذا الدعم؟
هل استفاد المواطن البسيط الذي كان ينتظر انخفاض الأسعار؟
أم استفادت فئة محدودة من المستوردين والوسطاء والمضاربين الذين راكموا الأرباح بينما ظل المواطن عاجزا عن مجاراة تكاليف العيد؟
إن ما يحدث اليوم ليس فقط أزمة أسعار، بل أزمة حكامة وثقة ومحاسبة.
لأن الدعم حين لا يصل إلى المواطن، ويتحول إلى أرباح خاصة، يصبح شكلا من أشكال الريع المقنع، وتتحول معه الحكومة من حكم يحمي التوازن الاجتماعي إلى ممول غير مباشر لاقتصاد المضاربة والاحتكار.
المغاربة اليوم لا يطلبون المستحيل.
يريدون فقط حكومة تشعر بمعاناتهم، تدافع عن القدرة الشرائية، وتحارب لوبيات الاحتكار بدل التواطؤ معها أو تبرير وجودها.
يريدون حكومة تعيد للأسواق توازنها، وللعيد فرحته، وللمواطن كرامته.
لكن الواقع المؤلم هو أن المناسبات التي كانت تدخل الفرحة إلى البيوت، أصبحت تدخل معها القلق والحسابات والديون والحسرة.
وسيسجل التاريخ أن مرحلة الغلاء الفاحش لم تكن فقط أزمة اقتصادية، بل كانت أيضا أزمة إحساس بمعاناة الناس، وأزمة ثقة بين المواطن وحكومة تحدثت كثيرا عن الوفرة والدعم، بينما ظل المواطن يبحث فقط عن ثمن معقول… ولم يجده.





















