ثقافة

قصائد العرشيات في الشعر الملحون ، الحاج أحمد سهوم أنموذجا

إعداد : ذ. منير البصكري الفيلالي / أسفي

ثقافة

بعد أيام قليلة ، ستحل على الأمة المغربية الذكرى السابعة والعشرون لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده على عرش أسلافه المنعمين ، وهي ذكرى وطنية عزيزة ، يجدد من خلالها الشعب ولاءه ووفاءه وإخلاصه لعاهل البلاد حفظه الله .وبهذه المناسبة ، لم يترك شعراء الملحون ـ كغيرهم من المبدعين ـ هذه الفرصة تمر دون التعبير عن تعلقهم بالعرش العلوي المجيد ، والتذكير بمختلف المنجزات التي حققها المغرب تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك .
ويُعد الشعر الملحون أحد أهم الأجناس الأدبية الشعبية في المغرب، وهو فن شعري موسيقي عريق نشأ في مناطق الجنوب الشرقي (تافيلالت) وتطور داخل الزوايا الصوفية والحلقات الشعبية، ليصبح “ديوان المغاربة” الذي يعبر عن أعماق الوجدان الجماعي. يتميز الملحون بلغته الدارجة المرنة، وإيقاعه الموسيقي الذي يجمع بين التراث والتجديد، وقدرته الفائقة على معالجة مختلف القضايا الدينية والاجتماعية والوطنية.
ومن أبرز الأغراض الشعرية التي ازدهرت في هذا الفن ، قصائد العرشيات، وهي قصائد مدحية وطنية تُنظم خصيصاً بمناسبة عيد العرش المجيد.. حيث تعبر عن الولاء والوفاء للعرش العلوي المجيد، وتربط بين التلاحم الشعبي وبين الثوابت الدينية والتاريخية للأمة المغربية.
ليست العرشيات مجرد أدب مناسباتي، بل هي تعبير صادق عن “الحب الدفين والعميق” للعرش في نفوس المغاربة منذ تأسيس الدولة العلوية على يد المولى إدريس الأول، مروراً بكفاح الشعب ضد الاستعمار وصولاً إلى عهد الاستقلال والبناء.
فالشعر الملحون جزء رصين من أدبنا المغربي، لم يفتأ أن عبر بصدق عن العرش والجالس عليه، فلقي بذلك قبولاً كبيراً لدى الناس، إذ أن أغلب قصائد العرشيات في الشعر الملحون تلحن وتغنى . وهكذا شكل أدب العرشيات باباً واسعاً من أبواب التاريخ الأدبي المغربي المعاصر، يجسد التلاحم بين القاعدة والقمة.
في هذا السياق، يبرز الحاج أحمد سهوم كنموذج بارز ومتميز في مجال نظم قصائد العرشيات .. فهو ناظم غزير الإنتاج، باحث محقق، وقارئ متميز لقصيدة الملحون وإعلامي ساهم في تقريب الملحون للجمهور عبر برامج إذاعية وتلفزيونية مثل “ركن الأدب الشعبي” و”التراث الحي”. صدر ديوانه كاملاً ضمن موسوعة الملحون لأكاديمية المملكة المغربية (الديوان الحادي عشر). جمع فيه الحاج أحمد سهوم بين الالتزام بالقواعد التقليدية للملحون والتجديد في المواضيع والأساليب، مما جعله “شيخ الملحون المعاصر” ومرجعاً أساسياً في الدراسات التراثية.
من خلال هذه المقالة ، نحاول أن نبسط فن العرشيات في الشعر الملحون مع التركيز على تجربة الحاج أحمد سهوم كنموذج، من خلال التعريف بالمفهوم، تحليل الخصائص الفنية، وتقييم الدور الثقافي-الوطني لهذا الإنتاج.
وقد شكل الحاج أحمد سهوم نموذجاً متميزاً في هذا المضمار، إذ جمع بين غزارة الإنتاج الشعري والعمق البحثي والتأثير الإعلامي. من خلال قصائده الوطنية والعرشية (ضمن ديوانه الضخم) حيث ساهم في إثراء الريبرتوار الملحوني بصور بلاغية معاصرة تعزز الولاء والوحدة، مع الحفاظ على أصالة الإيقاع واللغة الشعبية. نذكر من ذلك مثلا : قصيدة ” عيد العرش ” وحربتها :
عيــد العـرش وعـيـدنا وعـيـد الحسـن الثـانــي
عيد اسعيد امجيد به هاذ الأمة فرحانة
سره ما خاطي امكان
ثم قصيدة ” عيد العرش ” (اقتران عيد المولد النبوي بعيد العرش ) وحربتها :
يا رسول الله عيد موليدك وفق يوم عيد العرش
الشرفا الابرار
من بـــهــــم مــغـــربــنـــا بشـر
بالخير امع ارضى الحسن الثاني
وقصيدة ” ذكرى عيد العرش ” بمدينة العيون وحربتها :
أمولاي الحسن
عرش الأمة عرش المنى والغنى
والحب والصفا متبادل ياسيدنا الحسن الثاني

  لذلك ، سيظل إرثه شاهداً على قدرة الشعر الملحون على التجدد دون فقدان جذوره، ودوره في خدمة القضايا الوطنية.
فما هو مفهوم العرشيات في الشعر الملحون ، وما هي خصائصه التي تميزه عن غيره؟             العرشيات ـ كما نعلم ـ  هي قصائد مدحية وطنية تُنظم خصيصاً بمناسبة عيد العرش،تحتفل بالملك والإنجازات الوطنية، وتعبر عن الدعاء له بالنصر والتوفيق.. وهي أيضا نصوص شعرية تُنشد في سياق الاحتفاء بالعرش والملك، ولذلك فهي لا تقتصر على المديح المباشر، بل تؤسس لعلاقة بين الشرعية السياسية والذاكرة الجماعية والوفاء الوطني. وفي تجربة الحاج أحمد سهوم، يظهر هذا الغرض ضمن مشروعه الأوسع في تجديد الملحون بلغة مفهومة ومعجم قريب من المتلقي، مع الحفاظ على روح القصيدة الملحونية التقليدية.
يقـول الحـاج أحـمـد سهوم :
سر الله الكامل        جامع مانع شامل       عرش امواتيه الكليل
والوارتهم واصل     ولا زال ايواصل       في اعوانه نعم الجليل
والتشيد امواصل     والتاريخ ايواصل       ما بين الجيل والجيل
مشي لحضوي الجد في المغرب ولا آني
مشي هو ولد ساعة أمتنا وقدانة
والقاصي لها اليان
جـد فـي جـد علـى الـدوام جــداد فـي كــل احيــــــــــــاني
مجد ايلاحق مجد كل اللحظة والصون احصانا
دام المجد اللي اتصان ..
هـادي بعـض اسـرار عـرشنـا والـتـاج الـنــورانـــــــــي
أمـا سـر الملك فـاق عـن تبيـان البيــانة
أو اصحاب الوهب الفطان
سـر الـمــلـك اعـظيـم مـا أيـطـيـق إيـوصفـه تبيـــانـــــــي
لا سيما ملك وارثه علاوي بتقانـــــــة
في امحبة هذا الاوطان
تعود جذور عيد العرش إلى تقاليد البيعة في المغرب، إلى أن ازدهرت في العصر الحديث مع الاستقلال، حيث ساهم شعراء الملحون في تعزيز الوحدة الوطنية .. ومن ثمة ، يظهر حضورها قويا في أعمال غير قليل من شعراء الملحون .
ولعل ما تتميز بـه هذه العرشيات في الشعر الملحون ، أنها :
ـ أولا ،  ذات  طابع شعبي: وذلك باستخدام الدارجة المغربية بأسلوب مباشر ومؤثر.
ـ ثانيا ،  بعدها الديني- السياسي: حيث يتم ربط الولاء للعرش بالولاء للدين والأمة.
ـ ثالثا ، المنافسة الإبداعية ، حيث يتنافس الشعراء في إبداع صور بلاغية تعبر عن الفرحة والوفاء للعرش وللجالس عليه .
لذلك ،يمكن القول إن قيمة العرشيات في تجربة أحمد سهوم تكمن في أنها توازن بين الوفاء للتقليد والتحيين في الخطاب؛ فهي تستثمر القالب الملحوني القديم لتوليد معنى وطني معاصر. كما أن هذه القصائد تكشف عن شاعر لا يكتفي بالإنشاد الاحتفالي، بل يحول المناسبة إلى نص ثقافي يربط الشعر بالتاريخ والهوية والمجال العام.ويالتالي ، فإن قصائد العرشيات عند الحاج أحمد سهوم تمثل نموذجًا دالًا على قدرة الشعر الملحون على أداء وظائف وطنية وثقافية، دون أن يتخلى عن شروطه الفنية ومقوماته الإبداعية ، وقدرته أيضا على الكشف عن صور التعبير الوطني ، ورصد العلاقة بين السياق الاحتفالي والبنية الشعرية، بما يسمح بفهم أعمق لدور الملحون في ترسيخ القيم الجامعة وتغذية الوعي الجماعي.
من ثمة ، يمثل فن العرشيات في الشعر الملحون تجسيداً حياً للتلاحم العضوي بين الشعب المغربي وعرشه العلوي المجيد. فليست قصائد العرشيات مجرد مدح تقليدي، بل هي فيض من الشعور الوطني الصادق ، ينبع من النبل والاعتزاز بالثوابت الدينية والتاريخية، ويعكس إرادة الأمة في التشبث بوحدتها واستمراريتها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

MCG24

مجانى
عرض
CONGTOGEL