ثقافة

الخطاب الديني بالمغرب: قراءة تقريبية لنظرة باحث أكاديمي – أحمد التوفيق أنموذجا

الجزء الأول  – تتمة

ثقافة

الإفتاء / الفتوى والتاريخ : قضية المرجع الديني في النقاش حول التنمية في بلاد الإسلام

Image

الجزء الأول  – تتمة

بقلم الأستاذ محمد أكعبور

باحث في الخطاب والإعلام الديني

رابعا : منهجية الاشتغال للحديث عن هم الانشغال 

اشتغل الباحث على وثيقتين لمتنين في زمنيين بينهما وصال وفصال حول الخطاب المنبري : حيث سلك مسلك العرض والتحليل فرصد مكامن القوة ومواطن الضعف لكل متن على حدة .

أحدى هذين المتنين : وافد دخيل مندس متسلل ، استغرقت مدة تواجده بالمغرب أربعة قرون وهو يتلى على منابره في حواضره كما في قراه لك بحساسية زائدة اللهم في الحواضر الكبرى على حد تعبير الباحث .

ويتعلق الأمر بخطب ابن نٌباتة التي أدرجها الباحث ضمن ( المتون التي لا تراعي مكانا خاصا ولا وقائع خاصة ولا مجريات عصر من العصور ، إلا أنها متخللة بمواضيع المناسبات التي لا تمر دون أن يقف عندها المسلمون )

وهذه المناسبات طبعا ، مناسبات دينية أو ظواهر طبيعية و(من أقدم المتون المتداولة في هذا الصدد مجموعة خطب ابن نباتة …المعروف بالفارق الذي كان واعطا ببلاط سيف الدولة وهو من أهل القرن الرابع الهجري.

إن خطب ابن نباتة من الخطب المتداولة بين أئمة المغرب ولاسيما عند المقلدين الذين ينشئون أو يؤلفون منهم، وقد طبعت طبعة عصرية على الورق الأصفر عدة مرات بالدار البيضاء،

1 –  متن ابن نباتة تنبيه وتنويه  : (ولكن بعض نصوص هذه الطبعات أدخلت فيا تغييرات قص وزيادة، وعلى سبيل التمثيل لهذا التغيير أنه أقحم فيها من لا يعرف تاريخ ابن نباتة كلاما يتعلق بالقرن العاشر وكذا أحاديث تتعلق بمقتل الحسين الخ.

بيد أن هذا المتن كان مع ذلك أحد النماذج التي نسج عليها عامة الخطباء من حيث الشكل، لأن أسلوبها المسجوع ليس في متناول عامة المتولين للخطبة في العهود السابقة ولاسيما في البوادي، ولكن إيقاع سجعها الذي يؤدي مضمونا يغلب عليه الترهيب وأوصاف أهوال الموت، تتخلله بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الأكثر تداولا في باب الوعظ، تؤدي مهمتها على أساس الانطباع العام حتى بالنسبة لمن لا يعرفون معاني الألفاظ ومؤدى الجمل والعبارات. لقد اختير وشذب هذا المتن من خطب ابن نباتة بحيث يصلح لأن يباع في كل بلد، فهو خارج التاريخ المحلي ووقائع الوقت وحوادث الساعة، ……

إن هذا النموذج الذي طغى على شكل الخطبة وحدد مضمونها طوال القرون ما عدا في مساجد الحواضر الكبرى، هو نموذج جامد بالنظر إلى أن الخطبة تأصلت في تاريخ حي، ولكنه قد يتجاوب مع رغبة التيار الذي عمل طيلة تاريخ الإسلام على تحييد المسجد على مستوى التاريخ أي مستوى السياسة. )

ويختم بتعليق عما أشار إليه من تنبيه وتنويه مما يتضمن معنى المحاذير من غير التماس المعاذير اللهم ما تحمله من مسؤولية تاريخية من خدم متنُ ابنِ نُباتة مشرَوعهم السياسي مما لم يُتنبه إليه حتى ضيع عمرا من التنمية من فساد التدين المؤطَّر بخطاب ديني خارج الزمن والسياق مخالف للأحداث والوقائع ؛ خطاب يغلب عليه الطابع الوعظي أكثر منه تحريكا للعزائم اتقاء للهزائم التنموية والعمرانية وإنهاضا للهمم من أجل الرقي لبلوغ القمم (غير أن متن ابن نباتة وما يشبهه من مئات المتون المنبرية غير التاريخية تتضمن كثيرا من الإشارات النصية التي يمكن جعلها في أي وقت من التاريخ موضوع تأويل تخصيصي، واتخاذها منطلقا لإثارة مشاكل يختلف قدرها باختلاف فہمہا واختلاف وجهة سوقها، وكل ذلك في إطار الحكمة التي حددها الإسلام تحديدا عاما للحقوق حسبما فهم في الوهلة الأولى، حقوق الله وحقوق العباد،)

عقب إيراد عناوين متن خطاب ابن نباتة المنبري لعام كامل مما يغطي المناسبات الدينية ومواضيع تربط العبد بالسماء لكنها تفصله عن الأرض يعلق بالقول : (ليس هناك من شك في أن النموذج المبين أعلاه من مواضيع خطبة الجمعة استنادا إلى متن غير محقق لابن نباتة وهو قديم، يمثل الطابع العامل الذي انطبعت به عبر القرون في بلاد الإسلام تلك اللحظة الوعظية التذكيرية التوجيهية التي تمثلها خطبة الجمعة، وبقطع النظر عن اختلاف الخطباء حسب درجات العلم وقدرات التبليغ وصناعة الفصاحة وتوجهات المذاهب ومداراة الرقباء ومقدار الورع الشخصي والعمق الروحاني، فإن الخطبة لم تكن تبتعد عن المحاور المبينة أعلاه، والحقيقة أنها وافية بالغرض من الخطبة وهو التذكير بالأركان والحث على الفضائل والمكارم وما يتصل بهذا التذكير من تصوير أبواب التوبة والغفران وأسباب الجزاء) .

ليقفل الكلام عن المتن الأول المدروس بخلاصة لطيفة مضمنها في قول الباحث : (إن هذا الإطار التقليدي للخطبة لا يلغي إمكانات الخطيب في أن يكون » مفتيا – وقتيا متمتعا بقسط كبير من الحرية، ولكنه يحد منها كون الخطبة تعالت عن م التخصيص وهدفت إلى الإرشاد العام) . ليعقب بإشارة خفيفة للانتقال إلى الاشتغال على المتن الثاني وهو محور النقطة القادمة وذلك بقوله : (بيد أن الخطبة في الوقت الراهن لا يمكن إلا – أن تتأثر بعاملين اثنين هما: انتشار واسع للتعليم بين المسلمين ومجابيتهم للتاريخ بشكل لا خيار فيه في حياتهم السياسية والاجتماعية في سياق فكري لا يفتأ يؤكد التحام الدين بالحياة في مبدأ الإسلام.)

هكذا تتنتهي هذه التبيهات لباحث أكاديمي تعبيرا له عن موقفه من  “متن / خطاب ديني وافد” وهو متن / خطب ابن نباتة الفارقي، ليفتح نافذة قصد الإطلالة وبتفصيل وإطالة على ” متن / خطاب ديني شاهد” : شاهد على العصر محاولا التفاعل معه معبرا عن قطيعة ابستيمولوجية مع الزمن العلمي الذي امتد عمره لأربعة قرون خلون من عمر الإنسان الديني والعمراني رافضا الاستمرار  في الخضوع والخنوع لخطاب ديني وصف بكونه خارج التاريخ ثائرا ضد التقليدانية والجمود فيما يلقى للناس ويتلقى من على المنبر .

ذلك منتهى هذه الورقة في الجزء الأول ، وهو مبتدأ الجزء الثاني.

الأستاذ محمد أكعبور – باحث في الخطاب والإعلام الديني
الأستاذ محمد أكعبور باحث في الخطاب والإعلام الديني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
MCG24

مجانى
عرض
CONGTOGEL