
إحياء القيم النبوية بعد مرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم –الحلقة الخامسة عشرة
إعداد : ذ. منير البصكري الفيلالي / أسفي

إن من القيم التي حثت عليها السيرة النبوية الشريفة ، قيمة الاعتراف بتأخير المهمة بشكل مباشر وصادق غالبًا أفضل بكثير من اختلاق الأعذار أو الكذب لتبرير التأخير. هذا الموقف يعكس نضجًا مهنيًا وشخصيًا، وله تأثيرات إيجابية كبيرة على المدى الطويل . وهو اعتراف يبني الثقة بدل أن يهدمها ، وذلك عندما تقول ببساطة “تأخرت في تسليم المهمة، وأنا آسف لذلك“، يشعر الطرف الآخر (المدير، الزميل، العميل) أنك شخص صادق ومسؤول، حتى لو كان التأخير مزعجًا. الأعذار الواهية (مثل “الإنترنت قطع” أو “كنت مشغولا جدًا” أو ” جاءني ضيوف ” ..) غالبًا تُكتشف أو تبدو غير مقنعة، فتزيد الشك والتوتر . كما يُظهر الاعتراف شجاعة ومسؤولية . فالكثير من الناس يخافون الاعتراف لأنهم يربطونه بالضعف أو “الذل“، لكن في الواقع الشخص الذي يقول “أخطأت في تقدير الوقت” يبدو أقوى وأكثر احترامًا من الذي يختلق قصصًا.
من خلال السيرة النبوية الشريفة ، يظهرأن النبي صلى الله عليه وسلم كان نموذجًا واضحًا في عدة أحداث، حيث يُظهر أن الاعتراف بالتأخير ليس عيبًا، بل هو خطوة نحو التصحيح والالتزام بالمسؤوليات. فمثلا ، قصة تأخير صلاة العشاء مع أبي ذر الغفاري ..
روى أبو ذر الغفاري رضي الله عنه أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة باردة، فاستمر النبي في الحديث معه حتى طلعت الشمس، مما أدى إلى تأخير صلاة العشاء.. ثم قال النبي: “إني تأخرت عن الصلاة، فأقمتها معك”
يلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم ،اعترف صراحة بالتأخير، ولم يخفِ الأمر أو يبرره بطريقة تقلل من مسؤوليته، بل أقام الصلاة فورًا ليصحح التقصير.
وهذا يُظهر أن الاعتراف بالتأخير يعكس الصدق والتواضع، حتى لو كان التأخير بسبب أمر إيجابي (مثل التواصل مع الصحابة). كما يُبرز أهمية إصلاح الخطأ فورًا، مما يعزز الالتزام بالواجبات الدينية. في السياق العملي، يُعلمنا هذا أن الاعتراف بالتأخير في مهمة (مثل عمل أو واجب) يبني الثقة ويفتح باب التوبة، بدلاً من الإنكار الذي قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة .
ليس هذا فقط ، ففي غزوة تبوك (السنة التاسعة للهجرة ) ، تأخر بعض الصحابة عن المشاركة في الجهاد، مما اعتبره النبي تقصيرًا في مهمة دينية وعسكرية. أمر النبي بمقاطعتهم، ثم تابوا بعد اعترافهم بالخطأ. قال كعب بن مالك: “أما بعد، فإني أشهد بالله أني لم أكن أحدًا من المسلمين أعظم مني غنيمة يوم الفتح مني، إذ لم أشهد بدرًا، وما كان أحد أسعد مني يوم الحديبية… ثم أبطأت عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك” .
فقد اعترف كعب وأصحابه بالتأخير والتقصير، ولم يبرروا أنفسهم، مما أدى إلى توبتهم وعفو النبي عنهم . وهذا يبرز أن الاعتراف بالتأخير في مهمة (مثل الجهاد أو العمل الجماعي) يُعتبر توبة صادقة، ويُؤدي إلى الغفران والعودة إلى الصف.
في الحياة اليومية، يُعلمنا أن الاعتراف بالتأخير يمنع الاستمرار في الخطأ ويُشجع على الإصلاح، مما يعزز الثقة في العلاقات الشخصية أو المهنية.
ولعل التشبث بمثل هذه القيمة ـ كما جاء ذلك في سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم ـ تعطينا دروسا ما أحوجنا لتطبيقها في حياتنا مع بعضنا البعض . من ذلك مثلا :
ـ الصدق والشفافية: النبي صلى الله عليه وسلم كان يُعلن أخطاءه أو تأخيراته علنًا، كما في قوله بعد غزوة أحد: “أنا نبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب” (رواه البخاري)، مما يُظهر أن الاعتراف يُبني الثقة ويُقلل من التبعات.
ـ التوبة والإصلاح: الإسلام يُشجع على التوبة فور الاعتراف، كما في قول الله تعالى: “وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ“(سورة آل عمران) فالاعتراف بالتأخير يُفتح باب الرحمة الإلهية والإصلاح العملي.
ولعل في الأمثلة أعلاه، أدى اعتراف النبي أو الصحابة إلى تعزيز الروابط الاجتماعية وتشجيع الآخرين على الصدق. في السياق الحديث، يُساعد الاعتراف بالتأخير في مهمة (مثل مشروع عمل) على تجنب التوتر وتعزيز التعاون.
ـ التوازن بين الأولويات: السيرة تُظهر أن التأخير قد يكون مقبولاً إذا كان لسبب إيجابي (مثل التواصل الإنساني)، لكن الاعتراف يُضمن عدم الاستمرار فيه.
يتبع..






















