
إحياء القيم النبوية بعد مرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم –الحلقة الرابعة والعشرون
إعداد : ذ. منير البصكري الفيلالي / أسفي

إن من أعظم القيم التي التي أرساها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قيمة البر والتكافل في سيرته العطرة . فهي تعكس جوهر الرحمة المهداة للعالمين، وتبني مجتمعًا متراحمًا متعاونًا، يقوم على الإحسان والتعاون على البر والتقوى.
والبر في السيرة النبوية يعني الإحسان والصلة الحسنة والعطاء والخير، وقد تجلى في سيرة النبي ﷺ بأبهى صوره . من ذلك ، بر الوالدين، فقد كان النبي ﷺ يحث على بر الوالدين بشدة، حتى جعله من أعظم الأعمال بعد الصلاة والجهاد. فقد قال ﷺ: “الصلاة على وقتها… ثم بر الوالدين… ثم الجهاد في سبيل الله“. وفي حديث آخر: “رغم أنفه… من أدرك والديه عند الكبر… ثم لم يدخل الجنة“، مما يدل على أن البر باب عظيم للجنة.
أما عن الإحسان ، فقد كان ﷺ يعامل الجميع بالبر، حتى غير المسلمين في بعض المواقف، ويأمر بالإحسان إلى الجيران والأيتام والمساكين والأقارب. قال تعالى في وصفه: “وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ “، وقد وصفته السيدة عائشة رضي الله عنها بأن ” خُلُقُه القرآن “
لذلك ، تعد قيمة التكافل والبر، أساس بناء الأمة، تقرب العبد إلى الله وتصلح المجتمع.
ومن ثمة ، أقام النبي ﷺ مجتمعًا عمليًا في المدينة المنورة، فجعل المسلمين كالجسد الواحد: ” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ” .
فبعد الهجرة، آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، فكان الأنصاري يقاسم أخاه المهاجري ماله وأهله وبيته وثماره. بل عرضوا تقسيم النخل، فقال الأنصار: ” تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة” ، فكان ذلك أعظم صورة للإيثار والتكافل.
كما فرض النبي ﷺ الزكاة لتكون نظامًا اقتصاديًا ينقل من الأغنياء إلى الفقراء، وأمر بالصدقة التطوعية، وقال: “من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ” .
إلى جانب ذلك ، كان صلى الله عليه وسلم يبادر بنفسه لمساعدة الفقراء والأيتام والأرامل، ويحث على إطعام الطعام، يقول صلى الله عليه وسلم : “اعبدوا الرحمن وأطعموا الطعام“،
كما دعا صلى الله عليه وسلم إلى قضاء الحوائج والمواساة ، فقال : “من مشى في حاجة أخيه… كتب الله له أجر حجة وعمرة مبرورتين “، وكان يفرح بسرور إخوانه ويحزن لحزنهم.
في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان أهل الصفة (المهاجرون الذين لم يجدوا مأوى) يعيشون في ظلال المسجد النبوي، وكان النبي يعتني بهم شخصيًا، ويأمر الأنصار والمهاجرين بإطعامهم وكسوتهم. كما كان ﷺ يقسم ما يأتيه من طعام أو صدقات عليهم أولاً، ويحث على زيارة المرضى والسؤال عن المحتاجين، مما يجعل التكافل نظامًا يوميًا في المجتمع .
كما حث النبي ﷺ على إعطاء القرض الحسن (بدون فائدة) وتيسير السداد للمُعسر، وقال: “من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة “. وكان يبادر بنفسه بمساعدة المدينين، حتى لو كانوا من غير المسلمين في بعض الحالات. هناك صور أخرى لا حصر لها مما جاء في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام وكلها توضح التكافل في أبهى حلله.
وبناء عليه ، يكون البر والتكافل في السيرة النبوية ركنان أساسيان لصلاح الأمة ونجاتها. يحققان التراحم والقوة والأمان الاجتماعي، ويمنعان التفكك والحقد الطبقي. قال تعالى: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ“، وهذه الآية تلخص منهج النبي ﷺ في بناء مجتمع يسوده الخير والرحمة. فما أحوجنا اليوم إلى إحياء مثل هذه القيمة النبيلة . . فهي سبب للنصر والتمكين في زمن يعاني من أزمة القيم .






















