ثقافة

إحياء القيم النبوية بعد مرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم – الحلقة الخامسة والعشرون     

إعداد : ذ. منير البصكري الفيلالي / أسفي

ثقافة

من القيم النبيلة في السيرة النبوية التي تعد من أسمى القيم الإسلامية، الإيثار والتضحية وقد تجلت في السيرة النبوية كمظهر للإيمان الصادق والتكافل الاجتماعي .
  فالإيثار هو تفضيل غيرك على نفسك في النفع والدفع عن الحاجة، حتى لو كان ذلك على حسابك الشخصي. أما التضحية فهي بذل الجهد أو المال أو النفس في سبيل الله أو إنقاذ الآخرين، كما أمر الله تعالى في قوله: ” وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ
    وقد أعطانا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعلى الأمثلة ؛ فقد جاءت امرأة فقيرة ببردة لها فأخذها محتاجًا إليها، ثم أعطاها لرجل من أصحابه سألها منه، رغم حاجته الشديدة. كما كان يقاسم أهله الطعام مع الفقراء على حد ما رأينا في إحدى الحلقات السابقة .
  وفي غزوة تبوك، تحمل أبو بكر الصديق رضي الله عنه كل ماله في سبيل الله، فقال النبي: “ما منع أبا بكر شيئًا أنفقه اليوم“. وعُمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء بما يعادل نصف ما أنفقه أبو بكر، مؤثرًا الجهاد على ماله. كما آثر ثلاثة صحابةأبو طلحة، سعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرعلى أنفسهم في تاريخ الخندق، حيث تنازعوا في إطعام النبي وأصحابه رغم جوعهم. ويبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعلى نموذج في الإيثار الشخصي، حيث تفوق على الخلق في تفضيل الآخرين على نفسه رغم حاجته الدائمة.. لأنه صلى الله عليه وسلم ، كان يسعى إلى بناء مجتمعً مترابطً  كالجسد الواحد، يقضي على الأنانية ويزرع السخاء والجود. وصدق رسول الله حين قال صلى الله عليه وسلم: “خيركم من آثر أخاه على نفسه“.
  من ثمة ، يُعلّمنا الإيثار الوفاء والمروءة ، ويجسد حب الخير للآخرين، كما في إجابة دعوة المحتاج أو تفريج كربته. في عصرنا، يُعزز التماسك الاجتماعي ويحارب الشح، مستلهمًا من سيرة النبي التي جعلت الإيثار أساس الإيمان.
  أثناء حفر الخندق، واجه الصحابة صخرة صلبة، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشتكون، فدعا الله ثم كسرها بيده، ووعدهم بفتوح مكة والروم والفرس، ثم أمر بإحضار الطعام، فكسر الخبز ووضع اللحم عليه، وأطعم الجميع حتى شبعوا وبقي زائد، رغم جوعه الشديد.
  هكذا يبدو كيف أن الإيثار والتضحية من أبرز الصفات التي تجلت في السيرة النبوية بشكل واضح، سواء في شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم نفسه، أو في أصحابه الكرام رضي الله عنهم.
  فكل هذه المواقف وغيرها ، تجسد قمة الإيثار والتضحية في السيرة النبوية، وهي درس خالد للبشرية جمعاء في تقديم الآخرين والتضحية .. قال تعالى: ” وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ
  فما بالنا اليوم وقد ابتعدنا عن هذه القيمة الجميلة وازداد وعينا بحب الذات ، وتحولت بعض النصائح إلى تبرير أناني ، ( أنا أولا وأخيرا ) فالأنانية مرض يحرق الآخرين والذات معا ، بينما الإيثار والتضحية من أجل الآخرين ، عمل إيجابي للغاية ، يبني مجتمعًا متراحمًا يشعر فيه كل فرد بأنه جزء من جسد واحد .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

MCG24

مجانى
عرض
CONGTOGEL