
إحياء القيم النبوية بعد مرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم –الحلقة السادسة والعشرون
إعداد : ذ. منير البصكري الفيلالي / أسفي

من أعظم القيم النبوية ، التوادد والتراحم . وقد ارتأينا أن نخصص هذه الحلقة لهذه القيمة العظيمة ونحن سنخلد اليوم ، ليلة القدر التي تمثل في السيرة النبوية حدثاً محورياً، إذ بدأ فيها نزول القرآن الكريم على النبي ﷺ في غار حراء، وهي ليلة حملت معها قيماً نبوية عظيمة يمكن استخلاصها من سياق الحدث وسيرة النبي ﷺ في العشر الأواخر وتعامله مع هذه الليلة المباركة.
ولعل التوادد والتراحم عبادة وعمل يومي يُبنى به المجتمع المسلم. النبي . فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة في نشرهما، فمن اقتدى به نال محبة الله ورسوله والمؤمنين. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى” ومسلم ” .
فهذا الحديث يُظهر أن المؤمنين مترابطون، فإذا أصاب أحدهم ضر (فقر، مرض، حزن)، شعر الجميع به وتضامنوا معه.
وهناك أحاديث أخرى تبرز قيمة وأهمية التوادد والتراحم ، وذلك من قبيل قوله صلى الله عليه وسلم : ” لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ” وقوله : ” لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا” ثم دل على سبب المحبة بقوله : “أَفَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ .”
لقد كانت حياة رسولنا الكريم مليئة بالتواد والتراحم (كالإيثار في الهجرة، معاملة الأطفال، العفو يوم الفتح، والرحمة بالأعداء إلى غير ذلك مما هو مبين في سيرته العطرة .
لا ننسى أنه صلى الله عليه وسلم كان رحيما باليتيم والضعيف.. يُقعد أسامة بن زيد والحسن بن علي على فخذيه في المجلس، ثم يضمهما ويقول: ” اللهم ارحمهما فإني أرحمهما “. فهذا يُظهر الحنان الأبوي والشفقة على من لا يحمي نفسه. كذلك نسجل الرفق بالأعرابي الذي بال في المسجد .فقد جاء أعرابي يبول في المسجد، فهم الصحابة بزجره، فقال صلى الله عليه وسلم : ” دعوه ولا تزرموه “، ثم أمر بصب ماء عليه، وقال له بلطف: ” إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر” (رواه البخاري). نلاحظ من خلال هذا الحدث ، تراحم ولين في التعامل مع الجاهل، فهو يُعلّم الرفق بدلاً من الغضب.
وهناك حدث آخر يجسد قيمة التوادد والتراحم ، كدعائه صلى الله عليه وسلم على أهل الطائف بعد الرجم ..فبعد أن رجموه في الطائف حتى سال الدم من قدميه، رفض لعنهم وقال لجبريل: ” بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده” (رواه البخاري).
وهناك أمثلة أخرى كثيرة في التوادد والتراحم حتى مع من أساؤا إليه صلى الله عليه وسلم أشد الإساءة، فكان يدعو لهم بالهداية لا بالعذاب.
ومن ثمة ، يُبنى التوادد والتراحم بالأفعال اليومية الصغيرة كالتهادي، والزيارة، والدعاء، والرفق في التعليم . وهذه القيم تجعل المجتمع كالجسد الواحد، يتألم الجميع لألم فرد، ويسعد الجميع بسعادة فرد، مما يقوي الوحدة ويمنع الشقاق . فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يجسد هذه القيم في كل لحظة، فكان رحمة مهداة للعالمين، دعا أمته للاقتداء به في التوادد والتراحم ليحصلوا على رحمة الله..والتراحم . فهذه القيم ليست مجرد دروس نظرية ، بل كان النبي ﷺ يطبقها عملياً في سيرته، خاصة في ليلة القدر ،فيجتهد ويدعو ويوقظ أهله ويحيي ليله، فكان قدوة في اغتنام هذه الليلة المباركة ، ليلة القدر،






















