
إحياء القيم النبوية بعد مرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم – الحلقة السابعة والعشرون
إعداد : ذ. منير البصكري الفيلالي / أسفي

بعد ليلة مباركة وصفها الله تعالى بـ “سلام هي حتى مطلع الفجر “، وأنزل فيها ملائكته بالرحمة والبركة ، ونشر فيها السكينة والطمأنينة التي كان النبي ﷺ يعيشها في عبادته، والدعوة لنشر السلام والأمان في النفوس والمجتمع.. لا شك أن المؤمن أداها بكل الإخلاص والتقوى ، وهما قيمتان أساسيتان في الإسلام، ترتبطان بالقلب والعمل الصالح.
فالإخلاص يعني تصفية النية لله وحده دون رياء أو سمعة، بينما التقوى هي الخوف من الله والالتزام بأوامره.
ففي الحديث النبوي الشريف : “إِنَّ اللهَ لاَ يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا“.. يطهر القلب من الحقد والغل.
أما التقوى ، فهي حِفْظُ النفس من عقاب الله بالطاعة والامتثال لشرعه ، ترتبط بالإخلاص لأنها تتطلب نية صافية، وهي درجة عليا من الإيمان . قال تعالى: “وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حَنِيفَا ”
الإخلاص يُضاعف الأجر ويجلب التوفيق، فهو “روح العمل وأساسه“. والتقوى تؤدي إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، وتحمي من الفتن . وهما معًا يُطهّران القلب ويُقبَلان العمل .. كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم : “إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى“.
عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن الغازي الذي يبتغي الأجر والذكر، فقال: “لاَ شَيْءَ لَهُ»، ثم أكد: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ“.
وفي الحديث القدسي: “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ… إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ“، مما يُظْهِرُ تفضيل الإخلاص.
وعن التقوى ، يقول النبي ﷺ: ” اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا“.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن آخر كلام النبي ﷺ كان: “الصَّلَاةَ الْصَّلَاةَ، وَاتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ“. فكلاهما يُطَهِّرُ القلب، فالإخلاص يُخْلِصُ النية لله، والتقوى تَحْفَظُ النفس من المعاصي، كما في وصية النبي ﷺ لمعاذ: “أَخْلِصْ دِينَكَ يَكْفِكَ عَمَلٌ قَلِيلٌ “.ثم ” إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ ” .
يتبين إذن ، أن قبول العمل مشروط بالإخلاص لله دون شرك النية بالرياء أو السمعة. فهو يُحَفِّزُ على مجاهدة النفس لتصفية القلب، كما في قول ابن القيم: “الإخلاص سرُّ العبادة“.
لذلك ، فإن تحقيق الإخلاص في الأعمال اليومية يتطلب مجاهدة النفس وتصحيح النية باستمرار لله وحده.. على حد ما أكدته الأحاديث السابقة مثل “إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا“.
واليوم ، وفي خضم التحولات التي يشهدها العالم ، والتحديات التي تواجهنا ، ما أحوجنا إلى الإخلاص والتقوى في عملنا اليومي بغية تصفية القلب ، عملا بقول نبينا الكريم : “مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبَءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ“.
فلنحاسب نفوسنا في نهاية كل يوم بمراجعة أفعالنا وأعمالنا ، وهل أخلصنا لله فيها ؟…






















