ثقافة

إحياء القيم النبوية بعد مرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم – الحلقة الثالثة والعشرون

إعداد : ذ. منير البصكري الفيلالي / أسفي

ثقافة

  من أنبل القيم في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قيمة الوفاء بالعهد ، فهي خلق نبوي رفيع، وصفة من صفات الأنبياء، وأمر إلهي صريح، وسبب للثقة والأمان والنصر. وقد كان النبي   سيد الأوفياء، يفي بالعهد حتى مع أعدائه، رغم الإيذاء الشديد والغدر منهم، وشهد له أعداؤه قبل أصحابه: “ما عُرفتَ بالغدر صغيراً ولا كبيراً، بل عُرفتَ بالبر والوفاء“.
  فالوفاء أن تعطي الحق مقابل الحق، وتردَّ على الخير بخيرٍ وزيادة ،وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردُّوهاالوفاء خلق يأتي حصيلة الأمانة ونتيجتها، فهو بهذا يعني المحافظة على العهد وأداء الأمانة بنحو كامل.
  ويكون الوفاء بالعهد ، يقول تعالى :” وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً ” .كما يكون بالعقد أي أن تكون وفياً لما تعقد  . يقول الحق سبحانه :”يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقودويكون أيضا بالوعد في قوله صلى الله عليه وسلم  “آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان“.. ويكون كذلك بالكيل والميزان في قوله تعالى :” وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ” . فطوبى لمن كان وفياً مع نفسه ومع وطنه، ومع من حوله وما حوله، فلنكن أوفياء لوطننا ، فله حق علينا، ولنؤدي  واجبنا نحوه حتى نكون أوفياء .. وما دمنا كذلك ، حيال وطننا ، فنحن أوفياء حيال أولادنا وطلابنا ونفوسنا. نحن شركاء في الوطن، فعلينا أن نكون أوفياء لبعضنا ولوطننا، أن نتعاون مع بعضنا في تأدية حقوقنا لبعضنا، وفي تأدية حقوق وطننا علينا.
  يقول عليه الصلاة والسلام: “أربع من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجرمتفق عليه. فالغدر دليل نفاق، وكذا الفجور ضد الوفاء، وإنما الذي يخاصم ولا يفجر هو الوفي.
  نجد الرسول عليه الصلاة والسلام يقول في حديث يرويه عن رب العزة جلت قدرته ،أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما الآخر، فإن خان خرجت من بينهما“. بمعنى أن الله تعالى يبارك للأوفياء طالما كانا أوفياء لبعضهما، وإلا خرج الله من ينهما ووكلهما لأنفسهما وباءا بالفشل..
  وفي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير من النماذج الحية تبرز تمسكه بالوفاء ، من ذلك أنه لما قدم وفْدُ النجاشي على النبي عليه الصلاة والسلام، قام يخدمهم بنفسه. فقال أصحابه: “نحن نكفيك ذلك يا رسول الله. قال: لا، إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحب أن أكافئهم بنفسي ” .
  كما كان الرسول وفياً مع الأنصار ، أولئك الذين نصروه واستقبلوه وآووه وعزَّروه، قال عليه الصلاة والسلام وهو سيد الأوفياء: “لولا الهجرة لكنت امرؤاً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار“.
  ولعل من أجمل صور الوفاء ، أن يكون الإنسان وفيا لأبويه ، فلهما عليه حقوق كثيرة .
يقول تعالى : “ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ” . ويقول رب العزة في الحديث القدسي : ” من أطاع والديه وعصاني كتبته عندي طائعاً، ومن عصى والديه وأطاعني كتبته عندي عاصياً“.
    انطلاقا مما سبق ، يتبين أن الوفاء بالعهد في السيرة النبوية ليس مجرد خلق، بل عبادة وأمانة وشهادة على صدق الإيمان. فالنبي ضرب أعلى المثل فيه حتى مع من آذوه وغدروا به . وحتى نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم ، علينا أن نستصحب الوفاء في كل حركاتنا لننشره في فضاء المجتمع الذي نعيش فيه.. لأن الوفاء إذا ما فاح أريجه في مجتمع ما ، أصبح هذا المجتمع متناغماً متضامناً منسجماً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

MCG24

مجانى
عرض
CONGTOGEL