اقتصاد

المقالع في المغرب: الرمال، الحجر والاقتصاد الرمادي، ثغرات قطاع استراتيجي

اقتصاد

 يشهد قطاع استغلال الموارد الطبيعية في المغرب تباينًا واضحًا. ففي حين تخضع المناجم لاستراتيجية وطنية منظمة، تتطور المقالع، سواء كانت رملية أو حجرية، في بيئة أكثر غموضًا، تتسم بتنظيم غير متكافئ. ومع ذلك، يلعب قطاع المقالع دورًا محوريًا في الاقتصاد الوطني، حيث يغذي البناء، التوسع العمراني والمشاريع الكبرى للبنية التحتية. لكن خلف هذه الأهمية الاستراتيجية، تكشف الواقعيات عن تحديات كبيرة تشمل الاقتصاد الرمادي، النزاعات الإقليمية والتكاليف البيئية التي غالبًا ما تُستهان بها.

أصبح الرمل في المغرب موردًا تحت ضغط كبير نتيجة الازدهار العمراني وتعدد المشاريع، ما أدى إلى تفشي الاستخراج غير القانوني للرمال على الشواطئ والكثبان وأحواض الأودية. وفي مناطق مثل العرائش وسفــي، بدأت تظهر آثار هذه الظاهرة من تراجع الساحل وتدهور النظم البيئية وارتفاع حدة النزاعات المحلية. وقد وصف بعض المراقبين الأمر بأنه مافيا الرمل، منظمة وصعبة السيطرة عليها.

أما المقالع البرية، فهي أيضًا مصدر توترات متزايدة، خصوصًا في المناطق الريفية مثل بن سليمان وحول مراكش، حيث يؤدي فتح أو توسعة المقالع إلى احتجاجات محلية بسبب استيلاء المقالع على الأراضي الجماعية، وانبعاث الغبار، وحركة النقل المكثفة، وضغطها على الموارد المائية. هذا الوضع يغذي شعورًا بالظلم، خاصة أن العوائد الاقتصادية للمقالع غالبًا لا تعود بالنفع على المناطق المحلية.

تثير تصاريح استغلال المقالع أيضًا جدلاً، حيث يُنتقد النظام الحالي لقلة الشفافية وتركيز الترخيصات وشبهات المحاباة. وفي بعض الحالات، تُثار مخاوف من تضارب المصالح، ما يعزز فكرة أن المقالع يمكن أن تصبح أداة نفوذ محلي بقدر ما هي أداة اقتصادية.

من الناحية التنظيمية، شهد القانون المغربي للمقالع (2015) تقدمًا من خلال إلزامية دراسات الأثر البيئي وتعزيز آليات المراقبة، إلا أن التطبيق العملي يظل متفاوتًا. نقص الإمكانيات، الفوارق الإقليمية، والتساهل مع الاستغلال غير الرسمي يوسّع الفجوة بين النص القانوني والممارسة الواقعية.

ويُشكل التأثير البيئي للمقالع قضية حقيقية؛ فاستغلال الرمل والحجر يؤدي إلى إزالة الغابات، تآكل التربة، تلوث الهواء، وتأثر المياه الجوفية. على الساحل، يساهم استخراج الرمل في تآكل السواحل وزيادة هشاشتها أمام التغيرات المناخية، ومع ذلك، لا تُدرج هذه التكاليف عادة في الحسابات الاقتصادية للقطاع.

يتميز قطاع المقالع في المغرب بكونه مجزأ ومتنوعًا ويهيمن عليه عدد كبير من الفاعلين المختلفين، مما يجعل السيطرة عليه أصعب من القطاع المنجمي، ويزيد من توسع الاقتصاد غير الرسمي وقلة الشفافية.

في جوهره، تكشف المقالع حدود الحكامة الترابية في المغرب، حيث يصعب على الدولة فرض تنظيم موحد على كامل التراب الوطني. فالمناجم تمثل سيادة منظمة، بينما تصبح المقالع مساحات توافق أو انحرافات محتملة.

يتجاوز النقاش قضايا الاقتصاد والبيئة، ليطرح تساؤلات حول قدرة الدولة على بناء حكم اقتصادي حقيقي، قائم على قوانين واضحة تُطبق على الجميع. فبينما يبني الرمل المدن، فإن استغلاله العشوائي يضعف الثقة في المؤسسات ويزيد من عدم التوازنات.

أخيرًا، التحدي الأساسي لا يكمن فقط في ندرة الموارد، بل في كيفية إدارتها، وهي إدارة غالبًا ما تكون غير متكافئة ومرتبطة بالغموض، ما يجعل قطاع المقالع في المغرب محور اهتمام في مجالات الشفافية، الاستدامة والحكامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

CONGTOGEL