ثقافة

الهجرة النبوية في الشعر الملحون المغربي: دراسة تحليلية في الرؤية الدينية والإبداع الشعبي

ذ. منير البصكري الفيلالي / أسفي

ثقافةفن الملحون

بمناسبة الإطلالة الجديدة للعام الهجري الجديد 1448 ، يسعدني أن أتقدم بخالص الأمنيات الطيبة لقراء MCG24 راجيا من العلي القدير أن يجعله عام خير وبركة وتيسير . ولعل العنوان الذي اخترناه بهذه المناسبة العظيمة ، يصب في اتجاه عناية شعراء الملحون بموضوع الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة . فلا يخفى على أحد أن الشعر الملحون يُعد  أحد أبرز تجليات الإبداع الشعبي المغربي، ذلك الفن الذي يجمع بين الدارجة المغربية الموزونة والتلحين الإيقاعي، مما يجعله وسيلة حية لنقل التراث الديني والتاريخي إلى الوجدان الجماعي. ومن بين أعظم الأحداث التي شغلت شعراء الملحون، تبرز الهجرة النبوية كملحمة صمود وتوكل ونصر إلهي، ترمزً لانتقال الأمة من الشدة إلى العزة، ومن الاضطهاد إلى بناء الدولة الإسلامية.

في هذا الموضوع ، نحاول تسليط الضوء على كيفية تناول شعراء الملحون لهذا الحدث المحوري، مع التركيز على الرؤية الدينية (التوحيد، التوكل، المحبة النبوية) والإبداع الشعبي (الصور البلاغية، الإيقاع، الوظيفة الاجتماعية). ومن أبرز الشعراء الذين تناولوا الموضوع: المصمودي (القرن 16-17م)، الجيلالي امتيرد ، محمد بن علي الدمناني، التهامي المدغري، أحمد سهوم (عميد الملحون المعاصر)، وعمر بوري الروداني وغيرهم كثير .

     كما لا يخفى على الجميع أن الملحون نشأ في العصور الإسلامية الوسطى (الموحدية والمرينية) وتطور عبر العصر العلوي، ليصبح أداة للمديح النبوي والوعظ والتذكير بالسيرة. يشمل المديح النبوي في الملحون أغراضًا فرعية مثل الخلوق (المولد)، المعراج، الغزوات، والمرحول (الرحلات)، ومنها الهجرة كقمة في التصوير الدرامي.يقول الحاج أحمد سهوم رحمه الله :
الحمد لمن اقضى ابهجرة والشكر لمن ارضا الهجرة
والمدح لمن احماوا رسول الله وخيره

   ومن ثمة ، يتميز الملحون بقدرته على جعل التاريخ النبوي حيًا في الحلقات الدينية والأعراس والمناسبات، مما يحفظ الذاكرة الجماعية المغربية.

   ومن صور الهجرة النبوية عند شعراء الملحون، نجد :

  1. 1. غار ثور: رمز التوكل والحماية الإلهية ، حيث يصور الشعراء الغار كمكان للمعجزة الربانية (العنكبوت والحمامة)، مستلهمين الآية الكريمة: «لا تحزن إن الله معنا». عند التهامي المدغري والمصمودي، يتحول الغار إلى حضن إلهي يحمي النبي ﷺ وصاحبه، فهو رمزً للسر واليقين. يقول الشعراء : في حضن ثور.. سر التوحيد ينور، والعناية تحرس الرسول والصديق.
    يقول الشيخ الحاج أحمد سهوم في قصيدة ” الهجرة النبوية ” :
    وفغر الثور تم لمنى وتخزنوا فيه من النظرا
    واسترهم عالم لخفيا ما عظم ستيره
    والعنكبوت ياالحضرة سدات بخيوطها الحفرا
    دابوا لعدى اجميع والعساسين يحيروا
    2 ـ رفيق الهجرة: أبو بكر الصديق ، وهنا يُبرز الجيلالي امتيرد وأحمد سهوم وفاء أبي بكر رضي الله عنه كمثال للصداقة في الله. يمدحونه كـ”رفيق الشدة” الذي يشارك النبي الخطر، مما يعكس دروس الوفاء والإيمان.
    صاب الصديق تايراجي فجنانه كاديا الجمرة
    من خوفه على الفد يحسابه تم انحيره
    سماوا الله عاد ساروا ترعاهم في المشي القدرا
    واستر ربي على ارسوله ما دام في سيره
  2. 3. الرحلة والناقة: درب الهداية ، فالناقة ترمز عند بعض شعراء الملحون كعمر بوري والدمناني إلى القيادة الإلهية والبركة.. فتتحول الرحلة من مكة إلى المدينة إلى انتقال روحي واجتماعي، يربطه الشعراء بدروس الصبر والانتصار.
    قطعوا لوعار والفيافي حتى وصلوا الأرض قفرا
    واعداهم حاركة وراهم بالخيل إيغيروا
  3. 4. الوصول إلى المدينة: النصر والمؤاخاة ، فمثلا يختم أحمد سهوم الرحلة بترحيب الأنصار، مشددين على بناء الأمة والمؤاخاة كدروس معاصرة للوحدة والصمود.
    نبي الاسلام من الهجرة حقق للدين كل وطرا
    لم اشتاته وعز اسمه وجبر تكسيره

    هذه الرؤية الدينية تتجلى في التوكل على الله ،والمحبة النبوية كما هي عند الحاج أحمد  سهوم الذي يربط الهجرة بالهجرة الروحية والجانب التربوي المستفاد من هجرة رسولنا الكريم من مكة إلى المدينة المنورة .. حيث يمزج شعراء الملحون بين النص الشرعي والمخيال الشعبي، مستخدمين صورًا طبيعية (الجبل، الناقة، الليل) لتعزيز الإيحاء العاطفي.

    وكل هذه القصائد وغيرها تتميز بأسلوب التكرار الإيقاعي، والأوزان عند غير قليل من الشعراء أمثال المصمودي (تقليدي) يغلب الطابع الكلاسيكي ، بينما يجدد الحاج أحمد سهوم بإضافة دروس اجتماعية. فالوظيفة الاجتماعية واضحة بغية حفظ الذاكرة في المجتمع المغربي من خلال الاحتفال بالهجرة النبوية عن طريق النظم أو الإنشاد الجماعي.

   ومقارنة بين الكلاسيكيين من شعراء الملحون كالمصمودي مثلا أو الشيخ الجيلالي امتيرد والمعاصرين مثل الشيخ احمد سهوم والشيخ عمر بوري.. تظهر استمرارية الرسالة مع تكيف مع العصر ومستجداته .

من هنا يتبين كيف ساهم الملحون في نشر السيرة النبوية، وذلك عن طريق تخليد شعراء الملحون لغير قليل من المناسبات الدينية التي رافقت الدين الإسلامي الحنيف ، وكما جرت عادة المغاربة قاطبة في الاحتفاء بهذه المناسبات وما تحبل به من قيم إسلامية نبيلة  .

 وهكذا ، تُجسد الهجرة النبوية في الشعر الملحون المغربي ملحمة شعبية تجمع بين الرؤية الدينية العميقة والإبداع الفني الحي. من غار ثور إلى المدينة، يحول الشعراء الحدث التاريخي إلى درس أبدي في الصمود والأمل. ويبقى الملحون شاهداً على قدرة الثقافة الشعبية على حفظ التراث النبوي وتجديده في كل عصر .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

MCG24

مجانى
عرض
CONGTOGEL