
جليلة أمغار
في عالم كرة القدم، كثيرا ما تقاس الشعوب بنتائج منتخباتها، لكن الحقيقة أن الأمم تقاس أيضا بطريقة تعامل جماهيرها مع الفوز والهزيمة. وما حدث عقب مباراة المنتخب المغربي ونظيره الفرنسي في كأس العالم يقدم نموذجا حقيقيا يستحق التوقف عنده والتأمل فيه.
في الوقت الذي كانت فيه مشاعر الحزن والإحباط طبيعية لدى آلاف المغاربة المقيمين بفرنسا، اختار أغلبهم التعبير عن خيبة الأمل بأسلوب حضاري ومسؤول. لم تتحول الشوارع إلى ساحات فوضى، ولم تطغ مشاهد التوتر على المشهد العام، بل ساد نوع من الوعي الجماعي الذي يعكس نضج جالية أصبحت جزءا فاعلا من المجتمع، دون أن تتخلى عن ارتباطها العميق بوطنها الأم.
لقد أثبت المغاربة مرة أخرى أن حب الوطن لا يقاس فقط بحجم الاحتفالات عند الانتصار، بل أيضا بقدرة المشجع على تقبل الخسارة بروح رياضية. فالهزيمة جزء من الرياضة، بل هي أحيانا محطة ضرورية في طريق بناء الفرق الكبرى، ومن يدرك هذه الحقيقة لا يسمح للحظة غضب عابرة أن تسيء إلى صورة بلد بأكمله.
ما يلفت الانتباه أكثر هو أن الجالية المغربية بفرنسا تعيش وضعية خاصة، فهي تحمل في كثير من الأحيان انتماءين ثقافيين وإنسانيين متكاملين. لذلك، فإن مباراة بين المغرب وفرنسا لا تختزل في مجرد مواجهة رياضية، بل تحمل أبعادا رمزية وعاطفية معقدة. ومع ذلك، نجح المشجعون المغاربة في تجاوز هذه الحساسية والتعامل مع النتيجة بروح الاحترام المتبادل.
لقد ساهمت السنوات الأخيرة في ترسيخ صورة إيجابية للمغاربة بالخارج. فمنذ الإنجاز التاريخي لأسود الأطلس في مونديال قطر 2022، اكتشف العالم وجها آخر للجمهور المغربي، جمهور يحتفل بحماس لكنه يحترم المنافس، ويعبر عن الفرح دون المساس بالممتلكات العامة أو الخاصة. واليوم، يؤكد هذا الجمهور أن قيم الانضباط ليست مرتبطة بنتيجة المباراة، بل هي جزء من ثقافة راسخة.
إن أفضل رسالة يمكن أن يبعثها مغاربة العالم إلى الأجيال الصاعدة هي أن الانتماء الحقيقي يتجلى في السلوك اليومي. فحين يحترم المشجع القانون، ويحافظ على الأمن العام، ويقبل النتيجة الرياضية مهما كانت، فإنه يمارس شكلا راقيا من المواطنة ويصبح سفيرا حقيقيا لبلده.
قد تكون فرنسا فازت بالمباراة رقميا، لكن المغاربة الذين اختاروا الرقي والاحترام فازوا بشيء لا تمنحه لوحات النتائج، فازوا باحترام المجتمع الذي يعيشون فيه، ورسخوا صورة المغرب كبلد يمتلك جمهورا واعيا يدرك أن الأخلاق الرياضية لا تقل أهمية عن الانتصارات داخل المستطيل الأخضر.
وفي زمن أصبحت فيه صورة الشعوب تبنى في دقائق معدودة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فإن هذا السلوك الحضاري ليس مجرد تفصيل عابر، بل هو مكسب وطني حقيقي يضاف إلى رصيد المغرب وجاليته. فالهزائم تنسى مع مرور الوقت، أما السلوك الراقي فيبقى شاهدا على مستوى الوعي والتحضر.





















