
أكاديمي يمني : المملكة المغربية…وَطَنٌ كُلَّمَا وَصَفَهُ الْقَلَمُ اعْتَذَرَ
بقلم: الأكاديمي والصحفي والشاعر اليمني الدكتور عبد الله محمد الشيخ

ليست كل الأوطان مجرد أسماءٍ تُكتب على الخرائط، فبعضها يتحول في ذاكرة الإنسان إلى قصيدة، وبعضها يصبح حكايةً لا تنتهي فصولها مهما امتد الزمن. والمملكة المغربية واحدة من تلك الأوطان التي لا تُقرأ بالعين وحدها، بل تُقرأ بالقلب؛ لأنها ليست مساحةً من الأرض فحسب، وإنما ملحمةٌ من الجمال، وسفرٌ مفتوحٌ في كتاب الحضارة، ونشيدٌ طويلٌ كتبته الطبيعة بمداد الشمس والبحر والجبال.
حين يقترب اسم المغرب من مسامع الروح، يخطر إلى البال وطنٌ كأنه خرج من بين صفحات الأساطير؛ وطنٌ تتعانق فيه الأزمنة كما تتعانق أمواج الأطلسي مع شواطئه، وتلتقي فيه هيبة التاريخ برشاقة الحاضر. هناك، لا تبدو المدن مجرد مبانٍ وشوارع، بل أرواحًا نابضة، لكل مدينة منها صوتها الخاص، وعطرها المختلف، وذاكرتها التي تحكيها بصمتٍ بليغ.
المغرب وطنٌ إذا حاول القلم أن يصفه، شعر أنه يقف أمام لوحةٍ أكبر من ألوانه، وأمام قصيدةٍ أوسع من بحورها. فالجمال فيه ليس مشهدًا عابرًا يراه المسافر ثم يمضي، بل إحساسٌ يقيم في النفس، ويبقى بعد الرحيل كما يبقى صدى الأغنية الجميلة في القلب.
في المغرب، حتى الصباحات لها طعمٌ آخر؛ فالشمس لا تشرق هناك لتعلن بداية يوم جديد فقط، بل لتكشف كل يوم صفحةً جديدة من كتاب الجمال. والليل لا يأتي ليغلق أبواب النهار، بل ليفتح نوافذ أخرى على السحر، حيث تتلألأ المدن كالجواهر، وتنساب الحياة في الشوارع كأنها لحنٌ قديم لا يزال يحتفظ بعذوبته.
فاس… مدينة العلم والتاريخ، ليست مدينةً عادية تسكنها الذاكرة، بل ذاكرةٌ تسكن مدينة. تمشي في أزقتها فتشعر أن خطواتك تعبر فوق صفحات من المجد، وأن الجدران تحفظ أصوات العلماء، وأن الأبواب القديمة تخفي وراءها حكايات أجيالٍ صنعت من المعرفة طريقًا ومن الحضارة عنوانًا.
في فاس، لا ترى الماضي خلفك، بل تراه إلى جوارك؛ حاضرًا في تفاصيل المكان، في النقوش التي تزين الجدران، وفي الحرفيين الذين يحولون الخشب والنحاس والجلد إلى أعمال تشبه الشعر حين يُجسَّد أمام العين. إنها مدينةٌ تعلمك أن الحضارة ليست حجارةً صامتة، بل روحٌ تسري في الإنسان والمكان معًا.
أما مراكش، فهي قصيدةٌ حمراء كتبتها الشمس على صفحات الأرض. مدينةٌ ترتدي لونها كما يرتدي النبيل عباءته، وتستقبل زائرها بعطر الأسواق، ودفء الساحات، وهيبة الأسوار التي شهدت مرور القرون. فيها يشعر الإنسان أن الزمن لم يغادر، وإنما اختار أن يقيم بين النخيل والطرقات القديمة، يروي للناس حكاياته الجميلة.
ثم تأتي شفشاون، تلك الجوهرة الزرقاء التي تبدو وكأن السماء قررت يومًا أن تنزل إلى الأرض وتسكن بين الجبال. كل زاوية فيها لوحة، وكل نافذة قصيدة، وكل درج حكاية. إنها مدينة لا تكتفي بأن تُرى، بل تدعو الزائر إلى أن يحلم، وكأن اللون الأزرق فيها ليس لونًا للجدران، بل لغةٌ سرية يتحدث بها الجمال.
وعلى ضفاف البحر، تقف طنجة شامخةً كأنها حارسة اللقاء بين عالمين. مدينةٌ تعلمت من البحر اتساع الأفق، ومن السفن معنى الرحلة، ومن الرياح حكمة الانتقال. فيها يلتقي المتوسط بالأطلسي في مشهدٍ يشبه مصافحة أخوين بعد غياب طويل، فتولد من ذلك العناق موسيقى لا يسمعها إلا من أصغى بقلبه.
وتأتي الرباط بهدوئها وأناقتها، كأنها سيدة تعرف قيمة الوقار ولا تحتاج إلى استعراض جمالها. تجمع بين عبق التاريخ ونبض الحاضر، وتقدم صورةً بديعة عن التوازن بين الأصالة والتجدد.
أما الدار البيضاء، فهي نبضٌ متحرك، مدينةٌ تعرف كيف تمسك بيد المستقبل دون أن تترك جذورها. وفي الصويرة تعزف الرياح ألحانها على أوتار البحر، بينما تستقبل أكادير شروق الشمس كعروسٍ تغتسل بماء الأطلسي، فتزداد إشراقًا كل صباح.
وهكذا يمضي المغرب من مدينة إلى مدينة، ومن لوحة إلى لوحة، وكأن الخالق أراد أن يجعل فيه معرضًا دائمًا للجمال؛ جبالًا تعانق الغيم، وبحارًا تحمل أسرار السفر، وحدائق تنثر العطر، ومدنًا تحفظ في حجارتها نبض الإنسان.
وإذا كانت المدن المغربية قد أبهرت العالم بجمالها، فإن سرَّ المغرب الأكبر لا يكمن في القصور والأسوار والبحار وحدها، بل في الإنسان الذي يسكن هذه الأرض ويحمل روحها في ملامحه وكلماته وأفعاله.
فالإنسان المغربي هو أجمل قصائد الوطن؛ قصيدةٌ لا تُكتب بالحبر، وإنما تُكتب بالمواقف. فيه دفء اللقاء، وكرم الضيافة، وصدق المشاعر، وهدوء النفوس التي تعرف أن الأخلاق ليست كلماتٍ تُقال، بل سلوكٌ يُرى ويُلمس. وحين تجلس مع مغربي، تشعر أنك لا تجلس أمام شخصٍ غريب، بل أمام صديقٍ قديم عاد بعد غياب، لأن البساطة عنده ليست ضعفًا، والكرم ليس مناسبة، والابتسامة ليست مجاملة، وإنما هي جزء من هويةٍ متوارثة.
في المغرب، يصبح فنجان الشاي بالنعناع أكثر من مشروب؛ يصبح رسالة ترحيب، ولغة محبة، وطقسًا إنسانيًا يختصر الكثير من الكلام. وتصبح المجالس جسورًا بين القلوب، حيث تُروى الحكايات، وتُنسج العلاقات، ويكتشف الزائر أن أجمل ما يمكن أن يحمله الإنسان من وطنه ليس ما يضعه في حقيبته، بل ما يتركه في قلوب الآخرين.
ولعل أجمل ما في الأوطان أنها لا تُقاس فقط بما فيها من آثار، بل بما تمنحه من صداقات لا تنتهي. والمغرب بالنسبة لي ليس صفحةً قرأتها في كتاب، ولا صورةً شاهدتها من بعيد، بل هو حضورٌ إنساني عميق ارتبط بمرحلة مهمة من حياتي، وبأشخاص تركوا في الذاكرة أثرًا لا تمحوه السنوات.
لقد جمعتني بالمغرب وأهله علاقة بدأت منذ سنوات الدراسة في جامعة بغداد، حيث التقينا على مقاعد العلم والمعرفة، وامتدت رحلتنا الدراسية نحو عشر سنوات تقريبًا، كانت كفيلة بأن تحول الزمالة إلى أخوة، والدراسة إلى ذكريات لا تُنسى، واللقاء اليومي إلى روابط إنسانية بقيت صامدة أمام اختبار الزمن.
ففي رحاب بغداد، المدينة التي كانت وما زالت ملتقى الثقافات والعقول، التقت قلوبٌ جاءت من بلدان عربية مختلفة، لكن يجمعها شغف العلم وحلم المستقبل. وهناك، بين قاعات الجامعة وممراتها وكتبها ومحاضراتها، بدأت قصص صداقة لم تكن عابرة، بل كانت من تلك العلاقات التي يكتبها العمر بحبر الوفاء.
ومن بين تلك العلاقات المضيئة، تبرز صداقتي العزيزة مع الأخ والصديق الدكتور السهلي بلقاسم مصطفى، أحد أبناء المغرب الكرام، الذي عرفته خلال سنوات الدراسة، فعرفته إنسانًا قبل أن أعرفه اسمًا، وصديقًا قبل أن أعرفه زميلًا. كان نموذجًا للرجل الذي يجمع بين العلم والتواضع، وبين الرقي في الفكر ونبل التعامل.
ومرت الأعوام، وتغيرت الأماكن، واتسعت المسافات، لكن بعض العلاقات لا تخضع لقوانين الزمن؛ لأنها لا تُبنى على المصالح العابرة، وإنما على المحبة الصادقة والذكريات الجميلة والقيم المشتركة. وهكذا بقيت تلك الصداقة الممتدة لأكثر من ثلاثين عامًا شاهدًا على أن العلاقات التي تُولد في ميادين العلم والمعرفة يمكن أن تصبح من أثمن كنوز العمر.
وحين أكتب عن المغرب، فإنني لا أكتب عن بلدٍ بعيد عن اليمن، بل عن وطنٍ شقيق يلتقي معه في عمق التاريخ وروح الإنسان. فبين اليمن والمغرب خيوطٌ من نور تمتد عبر الحضارة والثقافة والأصالة. كلاهما أرضٌ عرفت معنى المجد، وكلاهما حمل رسالة الإنسان العربي الذي صنع من الصبر حضارة، ومن الإيمان بالحياة طريقًا للمستقبل.
إذا كانت جبال الأطلس في المغرب ترفع هامتها نحو السماء، فإن جبال اليمن تحمل هي الأخرى ذاكرة آلاف السنين. وإذا كان المغرب يزين غرب الوطن العربي بعطر مدنه وحدائقه وبحاره، فإن اليمن يزين شرقه بحكمة أهله، وعبق تاريخه، وروح إنسانه.
من الرباط إلى صنعاء، ومن فاس إلى تعز، ومن مراكش إلى إب، لا تبدو المسافات كبيرة حين تجمع الشعوب المحبة والمعرفة والوفاء. فهناك جسور لا تُبنى من الإسمنت، بل من القلوب، ولا تحتاج إلى خرائط لأنها مرسومة في الوجدان.
إن المغرب ليس مجرد بلدٍ جميل؛ إنه فكرة عن الجمال، ورسالة عن الإنسان، وحكاية عن الحضارة حين تلتقي بالأخلاق. واليمن ليس مجرد وطنٍ عريق؛ إنه ذاكرة عربية نابضة، وشجرةٌ ضاربة الجذور في أعماق التاريخ.
وفي النهاية، تبقى أجمل الأوطان تلك التي لا تغادرنا حتى بعد أن نغادرها، وتبقى أجمل العلاقات تلك التي لا تضعفها السنوات، بل تزيدها الأيام رسوخًا ونقاءً.
سلامٌ على المغرب… أرض الجمال الذي يعجز القلم عن وصفه، وأرض الإنسان الذي يجعل الضيافة لغة والمحبة عنوانًا.
وسلامٌ على اليمن… وطن الحكمة والتاريخ، وموطن الأصالة التي لا تنحني.
وسلامٌ على كل صداقة صادقة بدأت من مقاعد العلم، وكبرت مع الأيام، وبقيت شاهدًا على أن المعرفة تصنع جسورًا لا تهدمها المسافات، وأن بعض الناس لا يكونون مجرد عابرين في حياتنا، بل يصبحون جزءًا من أجمل فصولها.
تلك هي حكاية المغرب في القلب… وتلك هي حكاية الصداقة التي بدأت في بغداد، واستمرت أكثر من ثلاثين عامًا، وستبقى بإذن الله قصيدة وفاء لا تنتهي.



















