
اللقاء السابع، مع نائبة رئيس مجلس جهة الدار البيضاء سطات، أستاذة القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، الدكتورة رقية أشمال.
” هناك خشية من أن يظل التعامل مع الشباب “كأهداف أو محاور” للبرامج وليس “كشركاء وفاعلين” حقيقيين في صنع القرار . فالدعم المالي قد يسهل الدخول، لكنه لا يضمن بالضرورة المشاركة الفاعلة أو التأثير الحقيقي”
عبد اللطيف أفلا
لأننا استوفينا على ما يبدو رصد اختلاف القراءات وكذلك توحدها في الحوارات الماضية، وكذلك عرضنا مقترحات وتوصيات ضيوفنا، والتي شاركت كتصورات إلى حد ما في أخذها على محمل الجد من قبل المعنيين، ليكون بذلك الاستحقاق التشريعي القادم، الاختبار الفعلي لنجاح التجربة. حيث جاءت المنظومة الانتخابية وعيا منها، بمقتضيات تستهدف الشباب بالدرجة الأولى لدخول غمار محطة 23 شتنبر، معتبرة الشباب “الرأسمال الحقيقي للبلاد” و”قاطرة للتنمية”.
سؤال:
كيف تقرؤون الخلفية السياسية والسياقية، التي دفعت بالمنظومة الانتخابية المغربية، إلى إقرار هذه المقتضيات التفضيلية، لفائدة الشباب في هذا التوقيت بالذات؟
“يمكن اعتبار حراك جيل زد بمثابة المحفز المباشر، والأكثر تأثيراً وراء الإسراع بإقرار المقتضيات الانتخابية التفضيلية للشباب، استعداداً لانتخابات 2026. يمكن قراءة هذا السياق من خلال المحطات التالية :
أولا : استحضارا لسياق ذاكرة حراك 20 فبراير، وما أسفرت عنه من تعديلات سياسية ودستورية جوهرية، جعلت من الشباب ليس موضوعا للنقاش فقط، بل محركا وفاعلا مؤثرا في ذات الآن ..
ثانيا استجابة للاحتقان الاجتماعي: إذ تأتي هذه المقتضيات في وقت شهد احتجاجات اجتماعية متصاعدة، يقودها جيل جديد اصطلح عليه ب “الجيل Z”، يطالب بتحسين ظروف التعليم والصحة وفرص العمل ومحاربة الفساد ..”
و ربطت الدكتورة أشمال العامل الرابع، بالحاجة إلى تجديد النخب السياسية، قائلة بأن الساحة السياسية المغربية تعاني من أزمة ثقة، أسفرت عن حالة إحساس جماعي من قبل المواطنين، لاسيما الشباب باليأس والإحباط، اتجاه ما يجري في الحياة السياسية، أمام مفارقات ارتفاع الفواتير، مقابل تدوير جل الأحزاب نفس الوجوه واحتكارها المسؤوليات، مما أضعف جاذبية العمل السياسي والحزبي، رغم المشاركة الرقمية النقدية الواسعة للشباب على مواقع التواصل الاجتماعي.
وترى الأستاذة الباحثة في القانون العام، بأن التفاعل الملكي كان حكيما من خلال المجلس الوزاري، لاسيما في استثمار الزمن عبر آليات إجرائية، تهدف وضع تسهيلات للمرشحين الشباب بغرض ضخ دماء جديدة في المؤسسات المنتخبة، وكسر جمود النخب الحزبية، ومحاولة استعادة ثقة الناخبين الذين يعزفون عن المشاركة .
وتضيف ضيفة mcg24 “يمكن النظر إلى هذه المقتضيات التفضيلية، كجزء من استراتيجية أوسع للدولة، تهدف إلى تحديث آلياتها في مواجهة مطالب التغيير، من خلال الاستجابة للضغوط الاجتماعية بالانفتاح التدريجي والمضبوط على فئات جديدة، دون المساس بالثوابت الأساسية للنظام السياسي.
سؤال:
إلى أي حد يعكس الانتقال من “نظام الكوطا الوطنية السابقة” إلى “آليات الدعم المالي والتبسيط الإداري” نضجاً في التعاطي الرسمي مع ملف الشباب؟
“رغم هذا التطور الإيجابي في آلية التعامل، فإن وصفه بـ”النضج ” يسائل كيفية تعثر السياسات السابقة في التعامل مع قضايا إشراك الشباب والاستثمار فيها، لاسيما تحول الكوطا الشبابية إلى شكل جديد من “الريع السياسي” استفاد منه بعض النخب التقليدية أو المقربون من الأحزاب، بدلاً من تمكين شباب يمتلك المعايير الأساسية ومنها النضال مع القواعد، لذلك تشكل آليات الدعم المالي والتبسيط الإداري، خطوة إيجابية نحتاج فحصها عند الممارسة الانتخابية، التي ستجيب بلغة الأرقام عن إشكالية الاستدامة وثقافة المشاركة، محورها التساؤل حول ما إذا كانت هذه التحفيزات المالية والإدارية كافية لخلق “ثقافة جديدة للمبادرة وروح الابتكار وربط المسؤولية بالمحاسبة”، وهو ما سبق أن دعا إليه الملك محمد السادس كشرط لنجاح أي نموذج تنموي يراهن على الشباب.
فهناك خشية من أن يظل التعامل مع الشباب “كأهداف أو محاور” للبرامج وليس “كشركاء وفاعلين” حقيقيين في صنع القرار . فالدعم المالي قد يسهل الدخول، لكنه لا يضمن بالضرورة المشاركة الفاعلة أو التأثير الحقيقي..”
وكشفت المتحدثة بأن تقييمات السياسات العمومية للشباب، تشير إلى أن غياب رؤية متكاملة وأفقية (تتجاوز القطاعات الفردية) هو العائق الأكبر أمام نجاعة أي سياسة شبابية. فتحسين فرص الترشيح دون معالجة جذرية لقضايا البطالة والتعليم والصحة، يظل إجراءً جزئياً لا يعكس “نضجاً” كاملاً في التعاطي مع الملف، بل قد يُقرأ كإجراء “استباقي” لامتصاص الاحتجاجات وتوجيهها نحو القنوات المؤسسية. تقول الأستاذة رقية.
وتجد نائبة رئيس مجلس جهة الدار البيضاء سطات، بأن الحافز المالي غير كافٍ لتحييد “تأثير المال السياسي” ومنح الشباب فرصاً متكافئة للمنافسة في الدوائر المحلية.
“رغم هذه الخطوة الإيجابية، ورغم الإصلاحات الجوهرية التي أدخلت على القانون التنظيمي لانتخاب أعضاء مجلس النواب، فيما يخص الرفع من عدد الجرائم الانتخابية التي تهم استعمال المال أو تتعلق بتحديد سقوف المصاريف، تشير عدة مؤشرات إلى أن الدعم المالي المخصص لترشيح الشباب، ليست حلاً سحرياً لإقرار مبدأ تكافؤ الفرص.
وبررت ضيفتنا عدم اقتناعها بدور الحافز المالي لتحقيق الغايات المرجوة، بوجود ثغرات هيكلية في المنظومة القانونية، ومخاوف تحول هذا التغيير الجديد إلى ريع سياسي، ثم تموقع المفسدين في نفس الدوائر.
“أ- ثغرات في المنظومة القانونية: تُظهر الدراسات أن المنظومة التشريعية المغربية، حتى بعد تطويرها، لا تزال تعاني من “ثغرات هيكلية وإشكاليات تطبيقية تُتيح تسلل المال غير المشروع إلى العملية الانتخابية”، مما يخل بمبدأ المساواة بين المتنافسين، إذ أن تضييق القانون سيجد له طرقا في التحايل عليه أثناء الممارسة .
ب- مخاوف من تحوله إلى “ريع سياسي”: يخشى منتقدون من أن يتحول هذا الدعم إلى نوع جديد من “الريع السياسي”، حيث قد تستفيد منه النخب التقليدية أو المقربون من الأحزاب بدلاً من تمكين الشباب الذي يتملك معايير الدعم
ت- التجارب السابقة مع آليات التمييز الإيجابي أظهرت أن المستفيدين غالباً ما يكونون من الدوائر النافذة نفسها..”
وفي نفس الصدد أشارت رقية أشمال بأنه رغم ذلك، فإن تدقيق الضوابط القانونية على المستوى التنظيمي فيما يخص منحة المساهمة المالية من قبل الدولة في هذا المنحى للشباب، سيشكل رافعة تحفيزية مبنية على الاستحقاق بشكل موضوعي للاستفادة منه، تتقيد بمبدأي تكافؤ الفرص والمساواة، بدون تمييز أمام الشباب ودون انتماء حزبي، وأن الشباب المنتمي للأحزاب السياسية هو الذي سيتقدم للانتخابات بتزكية حزبية.
وتابعت قائلة وبتفاؤل في تدابير العملية:
“.. تحديد وتدقيق الشروط اللازمة لصرف هذه المساهمة، يشكل إحدى ضمانات حماية المال العام، وتكريس مبادئ الحكامة المتمثلة في الشفافية والنزاهة، وإقرار المساءلة ومحاربة الفساد، ربط الدعم بالمحاسبة هو تأمين للتوزيع العادل لموارد الدول” .
واعتبرت الدكتور أشمال أن تقييد الضوابط من شأنه تعزيز ثقة المواطنين، عندما يرى المواطن أن أمواله العامة تُدار بكرامة وشفافية، تتعزز ثقته بمؤسسات الدولة. إذ أن الإسهام في المؤسسات الدستورية وجب أن يخضع لحكامة المدخلات، لضمان حكامة المخرجات من مشاريع قوانين، واستراتيجيات وبرامج وقرارات وأيضا ميزانيات.
سؤال:
هل في نظركم أن فتح الباب للشباب المستقلين، سيأتي على إشكالية تعزيز المشاركة السياسية للشباب، ولماذا؟
“في تقديري، العدد المطلوب من توقيعات الناخبين فيه نوع من التعجيز وليس التحفيز،
ولذلك كما أشرت سابقا، قراءة النتائج وفق المحددات العمرية، واللوائح المقدمة من الأحزاب أو اللوائح المستقلة، ستقدم قراءة قوية لكل هاته المعطيات، في علاقتها بحافزية المشاركة في صناعة القرار”
سؤال:
بغض النظر عما سلف، ما الترياق الشافي وليس المُعالج في نظركم، لجعل الشباب مشاركا ومساهما إلى مستوى قوة اقتراحية داخل المؤسسة التشريعية؟
“في اعتقادي تظل الحاجة أكثر إلحاحا إلى تجديد التعاقد مع الشباب، من خلال بلورة سياسة عمومية موجهة للشباب مستجيبة لتطلعاتهم وانتظاراتهم، سياسة يكون الشباب أهم شركائها وليس محورها… للأسف تتسم اليوم السياسات الشبابية من “تضخم النزعة القطاعية”، حيث يتعامل كل قطاع (تعليم، تشغيل، صحة) مع الشباب بمعزل عن الآخر، لذلك يعد خلق آلية عليا للتنسيق والتقييم، تضمن التقائية السياسات وأفقيتها، أحد أهم الضمانات، وأن لا تبقى جهود الوزارة الوصية معزولة عن بقية الحكومة. إصلاح الجهوية المتقدمة، الذي يهدف إلى تقريب القرار وتنسيق الأدوار بين الفاعلين، يمكن أن يشكل إطاراً مناسباً لتحقيق هذه الالتقائية على المستوى الترابي..”
ولتحقيق هذا الهدف الزئبقي، شددت أشمال على ضرورة تفعيل المقتضيات الدستورية ذات الصلة بالشباب لاسيما المجلس الاستشاري للشباب، و سن تشريعات تتعلق بإحداث مجالس ترابية تتعلق بالشباب مع إخراج قانون التشاور العمومي حيز الوجود، كما دعت إلى إقرار تشريعات خاصة تحدد بوضوح حقوق الشباب والتزامات الدولة، مما يخلق إطاراً ملزماً للسياسات العمومية، بدلاً من تركها رهينة المبادرات الظرفية، إضافة إلى إقرار نموذج للحكامة في تنفيذ وتتبع وتقييم كل الآليات الداعمة لمشاركة الشباب .




















