
لا نريد شبابا يبحث عن من يقوده، بل نريد شباباً يعرف كيف يقود نفسه.
ضعيف يُفصل في اعوجاج الشباب وفي كيفية الاحتواء والإصلاح

حوار مع عبد الإله ضعيف، مدير العلاقات العامة بالمنظمة المغربية للتعبئة بالداخل والخارج.
“إننا في حاجة إلى جيل يعرف حقوقه، ولكنه يعرف أيضاً واجباته؛ يطالب بمستقبله، ولكنه لا ينسى مسؤوليته؛ يبحث عن النجاح، ولكنه لا يختصر الطريق بالغش أو الاستغلال أو الانحراف؛ ويؤمن بأن الكرامة الحقيقية لا تُشترى، وإنما تُبنى بالعمل والاستقامة وحسن السلوك.”
عبد اللطيف أفلا
تشرق شمس كل يوم جديد، بمزيد من الحديث عن الشباب، وانشغالاته وتفاعلاته وانفعالاته وظواهره، باهتمام وتوجس كما لو أننا نتجه لإخراج فقه الشباب، أو دستور الشباب، أو طرح نظريات الشباب. أو كأننا نطور فلسلفة اجتماعية حديثة، وعلم اجتماعيا لحظيا خاصا بهاته الفئة العمرية من المواطنين. لأنه فعلا شغل وملأ كل النقاشات والمقترحات والتوصيات والادبيات التربوية، والسلوكية والنفسية بكل الأمكنة وفي جل الأوقات.
كيف نواجه عنفه وإدمانه؟ كيف نتفاعل مع حراكاته؟ كيف نحتوي هجراته السرية؟ وكيف نصنع شبابا وطنيا مواطنا، يواجه التحديات والإكراهات، ينمي ذاته ويعبر الآفاق لبناء مستقبله بمستقبل الوطن، وأمان واستقرار بيته الأول، حيث ترعرع ونشأ باتزان على قواعد صحيحة؟
للغوص في إشكالية السلوك والتربية حاورنا الأيتاذ ضعيف عبد الإله، الذي سبق له البحث في القضية، وتقديم قراءات وحلول عملية وعميقة، داعيا إلى تصحيح أخطاء الماضي، من أجل بناء المستقبل السوي والسليم والمتزن بشباب واعي ومسؤول ومتخلق.. كيف ذلك ؟
يجيب ضعيف عبد الإله:
“ليست قوة الأمم في كثرة الكلام، ولا في رفع الشعارات، وإنما في قدرتها على مراجعة أخطائها، وتصحيح مساراتها، واستخلاص العبر من تجاربها، ثم تحويل تلك الدروس إلى عملٍ جادٍّ ومسؤول من أجل المستقبل.
إن الحديث عن شبابنا اليوم ليس حديثاً عن فئة عابرة في المجتمع، بل هو حديث عن مستقبل الوطن، وعن الأجيال التي ستتحمل غداً مسؤولية البناء والاستمرار. ولذلك، فإن مسؤوليتنا جميعاً تقتضي أن نكون صريحين مع أنفسنا، وأن نعترف بأن بعض الأخطاء التي ارتُكبت في الماضي، سواء عن حسن نية أو بسبب سوء تقدير، تحتاج إلى مراجعة وتصحيح، حتى لا تتحول إلى إرثٍ ثقيل تدفع ثمنه الأجيال القادمة… ”
وأكد جليس mcg24، على دور العواطف الجميلة داخل الأسرة في ترقيق سلوك الأبناء، لكن شدد على ضرورة الانتباه للحنان الزائد وعواقبه على الناشئة:
“من بين القضايا التي تستحق منا وقفة صادقة، طريقة التربية داخل الأسرة. فحنان الآباء والأمهات نعمة عظيمة، ومحبة الأبناء فطرة نبيلة، لكن الحنان حين يتحول إلى حماية مفرطة، أو إلى تلبية كل الرغبات دون توجيه أو مسؤولية، قد تكون له عواقب غير محمودة. فالابن يحتاج إلى الحب، لكنه يحتاج كذلك إلى التربية والانضباط، وإلى تعلم الاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية واحترام الآخرين..”
ويرى الباحث ضعيف بأن المطلوب ليس هو أن نقسو على أبنائنا، وإنما المطلوب أن نربيهم على القوة الحقيقية؛ قوة الأخلاق، وقوة الشخصية، وقوة الإرادة، وقوة الصبر، وقوة احترام القانون، وقوة مواجهة الصعوبات دون استسلام.
“الشاب الذي يتعلم منذ الصغر أن الحياة لا تمنح كل شيء بسهولة، وأن النجاح يحتاج إلى الاجتهاد والصبر والانضباط، سيكون أكثر قدرة على مواجهة المستقبل. أما الذي يتعود على الحصول على كل شيء دون جهد، فقد يجد نفسه عاجزاً أمام أول اختبار حقيقي.. ”
سؤال:
إذن ما نوع وطبيعة الجيل الذي نحتاجه ويحتاجه المجتمع ؟
جواب:
“إننا في حاجة إلى جيل يعرف حقوقه، ولكنه يعرف أيضاً واجباته؛ يطالب بمستقبله، ولكنه لا ينسى مسؤوليته؛ يبحث عن النجاح، ولكنه لا يختصر الطريق بالغش أو الاستغلال أو الانحراف؛ ويؤمن بأن الكرامة الحقيقية لا تُشترى، وإنما تُبنى بالعمل والاستقامة وحسن السلوك.
علينا أن نصحح أخطاء الماضي من أجل المستقبل.
وهذا التصحيح لا يعني جلد الذات، ولا البحث عن المخطئين من أجل إدانة الجميع، وإنما يعني امتلاك الشجاعة للاعتراف بما يحتاج إلى إصلاح. فالأمم المتقدمة هي التي تتعلم من أخطائها، والمؤسسات القوية هي التي تراجع أداءها، والأسر الناجحة هي التي تربي أبناءها على الحوار والمسؤولية، والشباب الواعي هو الذي يستوعب الدروس قبل أن تتحول الأخطاء إلى ضياع.
إن مشاكل الشباب لا ينبغي أن تُترك حتى تتفاقم. وكل مشكلة يمكن معالجتها في بدايتها تكون فرص نجاحها أكبر. ولذلك، فإن الوقاية بالتربية والتوجيه والتأطير أفضل بكثير من انتظار وقوع الشباب في مشكلات يصعب علاجها..”
وأوصى ضعيف الشباب المغربي بأخذ الحذر من المغررين بمستقبله ومصيره بالأوهام، والمثيرين لحماسته صوب الإحباط.
“على شبابنا أن ينتبهوا جيداً إلى كل من يحاول استغلال طموحاتهم أو إحباطهم أو جرّهم إلى طرق لا تخدم مستقبلهم. فليس كل من يرفع شعار الدفاع عن الشباب حريصاً على الشباب، وليس كل من يكثر من الوعود يريد الخير للآخرين.
هناك من يحاول الاستفادة من ضعف الشباب أو غضبهم أو حاجتهم، فيستعملهم لتحقيق مصالح شخصية، ثم يتركهم وحدهم أمام النتائج. ولذلك، فإن الوعي هو الحصن الأول، والعلم هو السلاح الأقوى، والأخلاق هي الطريق الآمن..”
كما وعظ الباحث عبد الإله شباب الوطن، بعدم السماح لأحد أن يجعل منهم وسيلة لتحقيق أهدافه الخاصة، مُوجِّها إياهم ليكونوا أصحاب قرار في حياتهم، وان يختاروا أصدقاءهم بعناية، ويحترموا أسرَهم ومجتمعهم، وان يستثمروا طاقاتهم في العلم والعمل والرياضة والثقافة والمبادرات الاجتماعية والتطوعية، لأن الوطن يحتاج إلى شبابه، والشباب يحتاج إلى وطنه. يقول ضعيف.
“الوطن ليس مجرد أرض نعيش فوقها، وإنما هو بيتنا المشترك، وذاكرتنا، وكرامتنا، ومستقبل أبنائنا. ومن يحب وطنه لا يكتفي بالكلام عنه، بل يساهم في بنائه ويحافظ على أمنه واستقراره ومؤسساته ومقدراته، ويحترم القانون، ويؤدي واجبه بإخلاص.
وحب الوطن لا يعني أن نتجاهل النقائص، بل يعني أن نساهم في إصلاحها بالطرق المسؤولة والقانونية، وأن نحول النقد إلى اقتراح، والاقتراح إلى مبادرة، والمبادرة إلى عمل يعود بالنفع على المجتمع.
كما أن حب الوطن لا يتعارض مع الاختلاف في الرأي؛ فالاختلاف المسؤول يمكن أن يكون مصدر قوة، عندما يكون قائماً على الاحترام والحوار والحرص على المصلحة العامة…”
وتابع قائلا : “إن المغرب، بما يحمله من تاريخ عريق ومؤسسات راسخة وتلاحم بين العرش والشعب، يحتاج إلى كل أبنائه وبناته. وكل مواطن يمكنه أن يقدم شيئاً لوطنه، مهما كان موقعه أو مهنته أو إمكاناته..”
وبقيمة وطنية عالية، أشار عبد الإله ضعيف إلى القيم التي تجمع الشعب المغربي بملكه ووطنه.
“نحن المغاربة تجمعنا قيم مشتركة راسخة: حب الله، وحب الوطن، والوفاء للملك، والاعتزاز بالهوية المغربية، والتمسك بالثوابت الوطنية، والعمل من أجل مستقبل أفضل لأبنائنا.
إن الوفاء للوطن ليس مناسبة موسمية، ولا شعاراً يرفع في المناسبات فقط، وإنما هو سلوك يومي يظهر في العمل، وفي احترام القانون، وفي الحفاظ على الممتلكات العامة، وفي مساعدة المحتاج، وفي تربية الأبناء، وفي الدفاع عن صورة المغرب بالحكمة والمسؤولية، وفي خدمة الصالح العام.
سؤال:
إكمالا لهذا الحوار بما يشفي ويجدي، ما الموعظة الحسنة التي تُبلغها الأسر؟
جواب:
” إن رسالتي إلى الأسر المغربية هي: ربّوا أبناءكم على الحب، ولكن لا تحرموهم من تعلم المسؤولية. امنحوهم الثقة، ولكن علموهم حدودها. ساعدوهم، ولكن لا تجعلوا المساعدة بديلاً عن الاعتماد على النفس.
ورسالة إلى شبابنا: لا تجعلوا أخطاء الماضي تحكم مستقبلكم.
إذا أخطأ الإنسان، فليتعلم. وإذا تعثر، فليستنهض. وإذا ضل الطريق، فليصحح اتجاهه. فالإنسان لا يُقاس فقط بعدد المرات التي نجح فيها، وإنما كذلك بقدرته على النهوض بعد السقوط، وتحويل التجربة الصعبة إلى درس، والدرس إلى قوة، والقوة إلى نجاح.
لقد آن الأوان أن ننتقل من ثقافة الانتظار إلى ثقافة المبادرة، ومن الشكوى إلى العمل، ومن الاتكال إلى الاعتماد على النفس، ومن الصراعات الهامشية إلى خدمة القضايا الحقيقية التي تهم المجتمع.
استيقظوا من سبات اليأس، وافتحوا أبواب الأمل والعمل، ولا تسمحوا لأي شخص أن يقودكم إلى الهاوية..”
وأشار ضيفنا في رسائله للأسر والشباب، إلى أن المستقبل لا يُبنى بالتشاؤم، ولا بالعداء، ولا بتضييع الوقت، ولا بترديد الإشاعات، وإنما يُبنى بالعلم والعمل والأخلاق والوحدة والتضامن.
وإذا كان الوطن بيتنا جميعاً، -وفق المتحدث- فإن واجبنا أن نحافظ على هذا البيت، وأن نتركه لأبنائنا أكثر قوة واستقراراً وازدهاراً مما وجدناه عليه.
وفي ختام جلستنا مع الأستاذ ضعيف عبد الإله، ترك عددا من الوصايا والمواعظ لتغيير إدراك الشباب إلى الأصح، وجعله مواطنا صالحا يشارك في بناء وتنمية مغربنا الصاعد:
لا نريد شباباً يبحث عن من يقوده، بل نريد شباباً يعرف كيف يقود نفسه.
لا نريد جيلاً يعيش على الماضي، بل جيلاً يصنع المستقبل.
لا نريد أبناءً تحميهم الظروف دائماً، بل أبناءً قادرين على مواجهة الظروف.
ولا نريد وطناً يتحدث عنه أبناؤه فقط، بل وطناً يبنيه أبناؤه بأيديهم وأخلاقهم وعلمهم وعملهم.
فالوطن غالٍ وعزيز، وهو بيتنا جميعاً، وكرامتنا بين الأمم، ومسؤوليتنا المشتركة أمام الله والتاريخ والأجيال القادمة.
ولنظل دائماً مجتمعين حول قيمنا الوطنية الراسخة، متشبثين بحب الله، وحب الوطن، والوفاء للملك، ومؤمنين بأن المغرب يستحق من أبنائه العمل الصادق، والكلمة المسؤولة، والمبادرة النافعة، والخلق الرفيع.
فلنصحح أخطاء الماضي، ولنُحسن تربية الحاضر، ولنصنع معاً مستقبلاً يليق بأبنائنا وبوطننا العزيز.





















