
تكشف العلاقات الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا عن شبكة متنامية من المصالح التجارية والاستثمارية، بعدما بلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين 22.757 مليار يورو خلال سنة 2025، فيما تجاوز عدد الشركات الإسبانية التي تنشط في السوق المغربية 800 شركة، وفق معطيات أوردتها صحيفة elDiario.es الإسبانية.
وبلغت الصادرات الإسبانية نحو المغرب حوالي 12.33 مليار يورو، مقابل واردات بقيمة 10.43 مليار يورو، ما منح إسبانيا فائضا تجاريا يقارب 1.9 مليار يورو. ويعد المغرب أهم سوق إفريقية بالنسبة للصادرات الإسبانية، حيث يستحوذ على نحو 55 في المئة من إجمالي الصادرات الإسبانية نحو القارة.
ولا تقتصر هذه العلاقة على المبادلات التجارية، بل أصبحت تقوم بشكل متزايد على سلاسل إنتاج مشتركة، خصوصا في قطاع السيارات والنسيج والطاقة والصناعات الغذائية والنقل واللوجستيك.
ويبرز قطاع السيارات بشكل خاص في هذا الترابط، إذ تحول المغرب إلى قاعدة صناعية مهمة لصناعة السيارات ومكوناتها، مع ارتباط عدد من الشركات العاملة في المملكة بسلاسل إنتاج أوروبية، بينها شركات إسبانية تنشط في طنجة والقنيطرة.
ويمنح القرب الجغرافي بين البلدين الشركات الإسبانية ميزة تنافسية، سواء من حيث سرعة نقل البضائع أو تقليص تكاليف وآجال الإمداد، وهو ما عزز توجه عدد من الشركات نحو نقل جزء من أنشطتها الإنتاجية إلى المغرب.
ويعكس حجم الاستثمارات بدوره هذا التشابك الاقتصادي. وتشير المعطيات التي أوردتها صحيفة elDiario.es الإسبانية إلى وجود أكثر من 800 شركة إسبانية تنشط في المغرب، بينما تظهر بيانات السجل التجاري الإسباني أن 669 شركة تمتلك ما لا يقل عن 10 في المئة من رأسمال شركات خاضعة للقانون المغربي.
وبلغ رصيد الاستثمارات الإسبانية في المغرب حوالي 2.5 مليار يورو نهاية 2024، مع توفير أكثر من 25 ألف فرصة عمل. كما يمثل المغرب نحو 32 في المئة من تدفقات رأس المال الإسباني نحو إفريقيا، ما يجعله الوجهة الأولى للاستثمارات الإسبانية في القارة.
وتتنوع هذه الاستثمارات بين الشركات الكبرى والمقاولات الصغيرة والمتوسطة التي تنشط في مجالات السيارات والصناعات الغذائية والنسيج والهندسة والبناء والخدمات واللوجستيك.
وتحضر الشركات الإسبانية في عدد من المشاريع الكبرى بالمغرب، خصوصا في مجال البنية التحتية.
ومن أبرز المشاريع محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، التي يقود تحالف تترأسه شركة Acciona، باستثمار يناهز 613 مليون يورو، وقدرة إنتاجية تصل إلى 300 مليون متر مكعب سنويا، إلى جانب عقد للتشغيل والصيانة يمتد لـ27 سنة.
كما تشارك شركة CAF في تحديث قطاع النقل السككي بالمغرب من خلال تزويد المملكة بـ40 قطارا بين المدن، في مشروع مدعوم بتمويلات رسمية إسبانية تتجاوز 750 مليون يورو.
ويأتي هذا الحضور في وقت يستعد فيه المغرب لاستحقاقات كبرى، أبرزها تنظيم كأس العالم 2030، وهو ما يفتح المجال أمام مزيد من المشاريع في النقل والبنية التحتية والخدمات والتكنولوجيا.
ويشكل المغرب أيضا قاعدة إنتاج مهمة بالنسبة إلى عدد من الشركات الإسبانية العاملة في قطاع النسيج، حيث تعتمد شركات كبرى على المملكة ضمن سلاسل التوريد الخاصة بها.
كما توسع الحضور الإسباني ليشمل الطاقة والقطاع البنكي والتكنولوجيا والسياحة، من خلال مجموعات وشركات تنشط في السوق المغربية وتربطها أعمال بالسوق الإسبانية والأوروبية.
ويعزز الموقع الجغرافي للمغرب هذا الدور، خصوصا مع تطور بنيته المينائية واللوجستية، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح حلقة أساسية في حركة التجارة بين المغرب وأوروبا.
وتشير هذه المعطيات إلى أن العلاقات الاقتصادية بين الرباط ومدريد لم تعد تقوم فقط على تصدير واستيراد المنتجات، بل أصبحت مرتبطة باستثمارات وسلاسل إنتاج ومشاريع بنية تحتية تمتد بين البلدين.
كما أن هذا الترابط يجعل استقرار العلاقات الثنائية عاملا مهما بالنسبة إلى الشركات التي تعتمد على حركة منتظمة للبضائع والاستثمارات والأشخاص عبر مضيق جبل طارق.
وفي المقابل، يسعى المغرب إلى الاستفادة من الاستثمارات الأجنبية لتطوير قاعدته الصناعية وتعزيز موقعه كمنصة نحو الأسواق الأوروبية والإفريقية، بينما تستفيد الشركات الإسبانية من القرب الجغرافي وتنافسية الإنتاج والوصول إلى أسواق جديدة.
وهكذا، باتت العلاقات الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا تقوم على تشابك متزايد بين التجارة والاستثمار والصناعة واللوجستيك، بما يجعل البلدين شريكين اقتصاديين تجمعهما مصالح تتجاوز المبادلات التجارية التقليدية.






















