أكد الدكتور سدي علي ماء العينين، الباحث والمحلل السياسي، في تصريح لـ MCG24، أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يفتح مجموعة من الأوراش الاجتماعية والاقتصادية، لكنه يطرح في المقابل أسئلة جوهرية حول مدى قدرة الحكومة على تحويل الوعود الانتخابية والتزامات التصريح الحكومي إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن المغربي، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار وتزايد تكاليف المعيشة والتخوف من تفاقم المديونية.
وأوضح ماء العينين أن مشروع قانون المالية أثار نقاشا واسعا، منذ مرحلة إيداعه لدى مجلس النواب، سواء بشأن احترام الآجال القانونية أو التساؤلات المرتبطة بمسطرة المصادقة عليه داخل المجلس الحكومي قبل إحالته على البرلمان. غير أنه اعتبر أن هذه النقاشات، رغم أهميتها الإجرائية، تظل هامشية مقارنة بالأسئلة التي تهم المواطنين بشكل مباشر، وفي مقدمتها مدى ترجمة البرنامج الانتخابي لأحزاب الأغلبية والوعود التي قدمتها للمغاربة إلى إجراءات فعلية، ومدى انعكاس التصريح الحكومي الذي عرضته رئيسة الحكومة أمام البرلمان وصادقت عليه الأغلبية على الأرقام والاعتمادات المدرجة في مشروع قانون المالية.
وأشار المحلل السياسي إلى أن مناقشة المشروع داخل لجنة المالية بمجلس النواب، التي تنقل مداولاتها مباشرة، تتيح الاطلاع على تفاصيل التوجهات الحكومية، لكن المواطن يظل منشغلا بما سيجنيه فعليا من هذه الإجراءات. واعتبر أن المشروع يشمل عدة فئات اجتماعية، من الموظفين والأجراء إلى الشباب والباحثين عن الشغل، مرورا بالمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، وصولا إلى الأرامل والمتقاعدين والأسر المستفيدة من الدعم الاجتماعي والسكن والكهرباء.
وفي ما يتعلق بالأجراء والموظفين، أشار ماء العينين إلى الإجراءات المرتبطة بالزيادة في الأجور، موضحا أن الموظفين الذين تتجاوز أجورهم 10 آلاف درهم سيستفيدون، وفق ما ورد في التصريح، من زيادة قدرها 500 درهم، بينما سيستفيد من يقل دخلهم عن هذا المستوى من الإعفاء من الضريبة على الدخل. كما تطرق إلى المناصب المالية المعلن عنها، والتي تحدث بشأنها عن نحو 50 ألف منصب شغل، إضافة إلى برامج التكوين الموجهة للشباب، والتدابير الرامية إلى دعم المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة.
وأضاف أن الإجراءات الاجتماعية تشمل كذلك الأرامل والمتقاعدين، إلى جانب الدعم المرتبط بفواتير الكهرباء والسكن. غير أنه تساءل عما إذا كانت هذه التدابير كافية لإحداث تغيير ملموس في حياة المستفيدين، مشيرا إلى أن زيادة بقيمة 500 درهم في الأجر أو 700 درهم في المعاش قد لا تكون كافية، في نظر عدد من المواطنين، لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. كما أثار مسألة الزيادات في الدعم الاجتماعي، التي تحدث عنها بقيمة 100 درهم ابتداء من الشهر الجاري، مع زيادات سنوية مماثلة، متسائلا عن مدى قدرتها على تحسين الظروف المعيشية للأسر المستفيدة.
واعتبر ماء العينين أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توزيع الزيادات المالية على مختلف الفئات، بل في قدرة الحكومة على معالجة الاختلالات البنيوية التي يعرفها الاقتصاد الوطني. وفي هذا السياق، طرح أسئلة بشأن استعداد الحكومة لضبط الأسعار، والحد من الممارسات التي تؤدي إلى ارتفاعها، والتصدي لما وصفه بظاهرة «الفراقشية» الذين قال إنهم وجدوا ظروفا ملائمة خلال الحكومة السابقة، فضلا عن محاربة الإثراء غير المشروع وفتح النقاش حول مصادر الثروات التي تثير تساؤلات لدى الرأي العام.
وأكد أن المواطنين لا ينتظرون فقط إجراءات مالية محدودة، بل يتطلعون إلى حلول جذرية تعالج أسباب الغلاء وتضمن عدالة أكبر في توزيع الثروة، مع تفعيل آليات المراقبة والمساءلة بشأن تدبير المال العام. واعتبر أن مشروع قانون المالية يوزع موارد على فئات متعددة، لكنه لا يمثل بالضرورة استجابة جذرية لكل انتظارات المغاربة، ما يجعل مسألة مراقبة الأسعار ومحاربة الاختلالات الاقتصادية من أبرز الاختبارات التي تواجه الحكومة.
ورغم هذه التحفظات، عبر الباحث والمحلل السياسي عن تفاؤل حذر بشأن المشروع، معتبرا أنه فتح أوراشا اجتماعية جديدة تهم الأرامل والمتقاعدين والشباب، إلى جانب أوراش مرتبطة بمراجعة الضرائب ودعم الفئات المستهدفة. لكنه شدد على أن أهمية هذه الإجراءات ستظل رهينة بمدى تنفيذها وقدرتها على تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.
وفي ما يتعلق بتمويل هذه الالتزامات، أشار ماء العينين إلى أن تعبئة الموارد المالية تتطلب إجراءات موازية، في مقدمتها الإصلاح الضريبي وتحفيز الاستثمار. واعتبر أن المعارضة البرلمانية مطالبة بدورها بطرح الأسئلة المتعلقة بمصادر تمويل التدابير الحكومية، لأن الإعلان عن برامج اجتماعية جديدة ينبغي أن يقترن بتوضيح كيفية توفير الموارد اللازمة لتنفيذها.
وتوقف المتحدث عند الفارق بين التوقعات المرتبطة بالنمو الاقتصادي، موضحا أن هناك حديثا عن تحقيق نمو بنسبة 3.7 في المائة خلال سنة 2027، مقابل هدف حكومي يتمثل في بلوغ 5 في المائة مع نهاية الولاية. وأشار إلى أن وزير المالية قدم توضيحات بشأن هذه الأرقام، معتبرا أن التمييز بين التوقعات السنوية والهدف المسطر لنهاية الولاية ضروري لفهم التوجهات الاقتصادية للحكومة.
وفي هذا الإطار، تناول ماء العينين الوضعية المائية بالمغرب، ردا على الانتقادات التي تربط الآفاق الاقتصادية بالتساقطات المطرية، موضحا أن المقارنة ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار السنوات السابقة التي عرفت بدورها ضعف التساقطات وامتلاء محدودا للسدود. وأشار إلى أن نسبة ملء السدود تبلغ، وفق المعطيات التي استند إليها في تصريحه، حوالي 65 في المائة، معتبرا أن توفر مخزون مائي أفضل قد يدعم النشاط الفلاحي خلال السنة المقبلة والسنوات التي تليها، شريطة حسن تدبير الموارد المتاحة وترشيد استهلاكها.
كما أثار المتحدث مسألة مشاركة حزبين من مكونات الأغلبية الحالية في الحكومة السابقة، متسائلا عن أسباب عدم اتخاذ بعض الإجراءات الاجتماعية التي يجري الإعلان عنها اليوم خلال الفترة الحكومية الماضية. واعتبر أن هذا السؤال يطرح نفسه بقوة في ضوء الوعود الانتخابية والإجراءات التي ظهرت بعد الانتخابات، متسائلا عما إذا كانت الظروف المالية والإمكانات المتاحة تسمح بتنفيذ هذه التدابير في وقت سابق.
وشدد على أن مساءلة الأحزاب التي شاركت في الحكومة السابقة تظل جزءا من النقاش السياسي، دون أن يعني ذلك ضرورة تحميل حزب بعينه مسؤولية جميع الاختلالات. فالمطلوب، بحسب قراءته، هو توضيح ما تغير في السياسات والقرارات، ولماذا لم يتم اعتماد الإجراءات نفسها في وقت سابق إذا كانت الإمكانات المالية متوفرة.
ووصف ماء العينين مشروع قانون المالية بأنه يتضمن إجراءات اجتماعية لافتة، بالنظر إلى الإعلان عن زيادات ودعم لفئات متعددة بعد فترة قصيرة من تولي الحكومة مسؤولياتها، لكنه اعتبر أن هذه التدابير تظل في حاجة إلى اختبار فعلي على أرض الواقع. ودعا إلى منح الحكومة مهلة لتقييم أدائها، على غرار المائة يوم التي يجري الحديث عنها في تقييم الحكومات، مع التأكيد على أن الحكم النهائي ينبغي أن يستند إلى النتائج وليس إلى الشعارات.
وأكد أن المواطنين سبق أن طالبوا الأحزاب خلال الانتخابات بتقديم برامج واضحة، ثم انتظروا ترجمة تلك البرامج إلى تصريح حكومي، قبل أن ينتقلوا إلى انتظار مشروع قانون المالية، والآن يترقبون تنزيل الإجراءات المعلن عنها. واعتبر أن المرحلة المقبلة ستحدد مدى قدرة الحكومة على الانتقال من الوعود والأرقام إلى نتائج ملموسة في الحياة اليومية للمغاربة.
وفي المقابل، نبه إلى أن مشروع قانون المالية يتيح للمغرب مواصلة الحفاظ على توازناته الخارجية، خاصة ما يتعلق بالعملة الصعبة والمديونية، لكنه حذر من احتمال ارتفاع الاقتراض الحكومي لتغطية الالتزامات الاجتماعية. وأوضح أن الاقتراض من أجل الاستثمار يمكن تبريره عندما يؤدي إلى مشاريع تخلق قيمة مضافة وتحقق مردودية اقتصادية، في حين أن الاقتراض لتمويل النفقات الاجتماعية المتكررة قد يفاقم الضغوط على مالية الدولة إذا لم تقابله موارد مستدامة.
واستحضر ماء العينين التجربة الفرنسية، معتبرا أن ما تواجهه فرنسا من صعوبات مرتبطة بارتفاع كلفة الإنفاق الاجتماعي مقارنة بمداخيل الدولة يشكل مثالا ينبغي الاستفادة منه. وحذر من أن استمرار تمويل المبادرات الاجتماعية بالاقتراض قد يضع المغرب أمام تحديات مالية مستقبلية، موضحا أن هذه النفقات قد تساعد على ضمان الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي، لكنها لا تولد بالضرورة عائدات مالية مباشرة تمكن الدولة من استرجاع الأموال التي أنفقتها.
وأكد أن الدرس الأساسي من التجارب الدولية يتمثل في ضرورة تفادي الأخطاء المالية قبل تفاقمها، ومراجعة السياسات التي تؤدي إلى ارتفاع المديونية دون مردودية اقتصادية كافية، مع البحث عن توازن بين الاستجابة للحاجيات الاجتماعية والحفاظ على استدامة المالية العمومية.
وختم الباحث والمحلل السياسي تصريحه بالتعبير عن أمله في أن تتمكن الحكومة من الاستفادة من المشاريع الاستراتيجية التي أطلقت على المستوى الوطني، بمبادرة من الملك محمد السادس، مشيرا إلى أن هذه المشاريع، سواء ارتبطت بكأس العالم أو بغيره من الأوراش الاستراتيجية، يمكن أن توفر فرصا لدعم الاقتصاد الوطني. غير أن الاستفادة منها، بحسبه، تتطلب تحسين التدبير، وضمان حسن تنزيل المشاريع، وترشيد النفقات، حتى تنعكس نتائجها على المواطنين وتحافظ في الوقت نفسه على التوازنات المالية للدولة.




