
إعداد : ذ. منير البصكري الفيلالي / أسفي
إن ما حدث بمدينة أسفي يوم 14 دجنبر 2025 ، يعد كارثة فظيعة كشفت عن مستور ظل لسنوات طويلة طي الكتمان والإهمال ، نتجت عنه اليوم مأساة إنسانية أدت ثمنها أرواح بشرية بريئة ، علاوة على ما تكبدته المدينة من خسائر مادية كبيرة .
للأسف ، لم يستفد القائمون على الشأن المحلي للمدينة من الكوارث الطبيعية التي عرفتها مدينة أسفي منذ القديم .

قبل القرن العشرين ، لا توجد سجلات محددة لفيضانات كبرى في أسفي، رغم أن المنطقة شهدت أحداثًا مناخية تاريخية عامة في المغرب .فخلال عامي 1927 أو 1928
في تلك الفترة، كان المغرب تحت الاحتلال الفرنسي (الحماية الفرنسية من 1912 إلى 1956)، وكانت السجلات المناخية والكوارث محدودة، لكن الفيضانات الكبرى في المغرب تُذكر عادة في التقارير التاريخية إذا كانت مدمرة .
وقد شهدت مدينة آسفي فيضانات كبرى متكررة بسبب موقعها الساحلي وتضاريسها، مع تركيز على حوادث أدت إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة.
نسجل هنا ، فيضانات مدمرة (عام الحملة) عامي 1927 و 1928 حيث غمرت السيول المدينة وارتفعت المياه إلى الجدران، كما سجلت 1966خسائر بشرية ومادية كبيرة في واد الشعبة وضواحي آسفي.
إن الكوارث الطبيعية التي حدثت في أسفي خلال عامي 1927 و1928 ترتبط بشكل أساسي بفيضانات نهر وادي الشعبة (Oued Chaâba). وفقاً لسجلات تاريخية، وقع فيضان كبير في عام 1927، حيث دخل تيار قوي من وادي الشعبة المدينة عبر باب الشعبة، محطماً أبواب المتاجر، وغازياً المنازل المجاورة، ومدمراً البضائع والأثاث.
وقد وصل الفيضان إلى المسجد الكبير والمدرسة المواجهة له والزاوية الناصرية.. وتوفي أشخاص كثيرون، وكانت الكارثة فظيعة مع دمار شامل .
بعد هذا الفيضان، قامت سلطات الحماية الفرنسية بتحويل مجرى وادي الشعبة لمنع تكرار مثل هذه الكوارث .

أما بالنسبة لعام 1928، فهناك سجلات تاريخية مفصلة عن فيضان تلك السنة ، يشير إلى فيضانات في آسفي ، مع التنبيه إلى ارتفاع مستوى المياه على جدران المدينة. وبذلك تكون أسفي تاريخياً، عرضة لفيضانات متكررة من وادي الشعبة بسبب موقعها قرب مصبه، مما أدى إلى كوارث سابقة في سنوات مثل 1647 و1791 و1855 .
إذا عدنا إلى فيضان آسفي عام 1927 (الموافق لعام 1346 هجري) نجد أنه كان أحد أشد الكوارث الطبيعية التي ضربت المدينة، ناتجاً عن فيضان مفاجئ لوادي الشعبة على حد ما أشرنا سابقا ، وفقاً لشهادات تاريخية موثقة حيث تحطمت أبواب المتاجر والدكاكين. . وغمرت المياه المنازل المجاورة ، ودمرت البضائع والأثاث داخلها.. إلى درجة أن السيول وصلت إلى المسجد الكبير، والمدرسة المقابلة له، والزاوية الناصرية.
من هنا ، يتبين أن وادي الشعبة كان دائما مصدر رعب متكرر لسكان آسفي عبر العصور، مع فيضانات سابقة مسجلة في سنوات مثل 1647 و1791، بسبب موقع المدينة في أسفل مجرى الوادي القريب من مصبه في المحيط الأطلسي ، كما تمت الإشارة إلى ذلك سابقا . .

بعد هذا الفيضان تحديداً، قامت سلطات الحماية الفرنسية بتحويل مجرى الوادي خارج المدينة لمنع تكرار الكارثة، باعتباره” نقطة سوداء ” في ذاكرة المدينة . فهذه السنوات تكشف عن نمط متكرر مرتبط بالأمطار الرعدية الغزيرة بعد فترات جفاف، مع حاجة ماسة لتعزيز الجاهزية. لكن الحادث الأخير يوم 14 دجنبر الجاري ، يُعد الأعلى حصيلة منذ عقد من الزمن .. حيث شهدت أسفي في هذا اليوم ” الأسود “، فيضانات استثنائية أدت إلى خسائر بشرية واقتصادية هائلة بسبب ساعة من الأمطار الغزيرة. تركزت الآثار في المدينة القديمة والأحياء الشعبية، مما أثر على آلاف السكان. ذلك أن هذه الفيضانات قد أودت بحياة الكثير من الأشخاص ، مع إصابة آخرين، وغرق العديد في منازلهم أو سياراتهم، وتضررت نحو سبعين أو أكثر منزلًا ومحلًا، مما ترك غير قليل من الناس بلا مأوى مؤقتًا.. كما أدت السيول إلى انقطاع التيار الكهربائي وتعطل الاتصالات في المناطق المتضررة ..علاوة على أن السيول قد جرفت العديد من السيارات وأغرقت عشرات المحلات التجارية في شارع بئر أنزران وساحة أبو الذهب، مع أضرار مادية تقدر بملايين الدراهم.. حيث قطعت الطرق الرئيسية وتعطلت النشاط التجاري في المدينة الساحلية المهمة صناعيًا،. وهذا يتطلب الحاجة الملحة لمساعدات حكومية عاجلة لإعادة الإعمار.
إنه حدث استثنائي وصف بأنه غير مسبوق اعتبارا لحجم الكارثة ولشدة وقعه داخل المدينة .

الجدير بالذكر أن هذه الفيضانات جاءت بعد سنوات من الجفاف الشديد (7 سنوات متتالية)، مما جعل التربة غير قادرة على امتصاص المياه بسرعة. يُرجع الخبراء زيادة شدة مثل هذه الأحداث إلى تأثيرات التغير المناخي، الذي يزيد من حدة الأمطار الغزيرة المفاجئة.






















